بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 3 صفر 1447هـ الموافق له 17 تموز 2026م
اوامر صهيونية!
أي عَالم هذا الذي نعيش فيه؟ تستباح الحرمات، ويقصف الأولاد والأطفال، وتدمر المنشآت، ويستهدف المدنيون، وكل ذلك مسموح، بل مطلوب إذا كان الشيطان الأميركي يريد ذلك.
هذا ما هو واضح جدا عندما استنكر الجميع دون استثناء القصف الذي استهدف بعض المطارات الثانوية في السعودية، فيما أن القصف على مطار صنعاء الرئيسي ودون أي مبرر مقبول لا يلقى أي استنكار أو ادانة، بل يلاقى بالترحيب والتقدير، يا أيها الناس إن القصف على مطارات السعودية ردة فعل على إجرام متماد يتمثل بحصار طويل وتجميع وقتل مجاني لشعب اختار أن يعارض الطاغوت الأميركي، فكيف تستنكر ردة الفعل ولا تستنكر الفعل الإجرامي؟؟.
بأي قانون او فهم او علم، اين عقولكم؟ اين دينكم، اين فهمكم؟ بل اين تقديركم للمصلحة الحقيقية لبلادكم ؟؟ أم على قلوب اقفالها؟ بالتأكبد.
ونفس الكلام يقال وأشد منه عندما تتكاثر الاستنكارات على الرد الإيراني على القصف المجرم الذي يطال المنشآت والمدنيين، لا نسمع أي استنكار، بل يلاقى الأمر بالترحيب سواء اعلن ذلك أم كان بالهمس، فيما تتعالى الأصوات استنكارا لقصف القواعد الأميركية في دول الخليج، ويترافق ذلك مع الاكاذيب: ليس عندنا قواعد، لم ينطلق العدوان من عندنا، وهم يعلمون تماما انهم كاذبون!…
ومن جهة اخرى كأن الاوامر الصهيونية وصلت الى القوات اللبنانية وبعض القوى اليمينية، من اجل رفع الصوت في وجه المقاومة حتى لو كان كذبا، فنسمع بكل وضوح مثلا من يتشدق فيقول اطردوا المتعاطف مع المقاومة من الجيش، حتى لو كانوا جميعا شيعة، ودون اي خجل يقول نوابهم، نحن لم نطلب التجديد لقوات اليونيفل في الجنوب لانهم لم يمنعوا حزب الله من بناء قوته وحفر الانفاق واتخاذ المواقع، يا ابن ال… هل هذا اصلا من مهمة القوات الدولية ام ان مهمتهم منع الاعتداءات الصهيونية او بالاحرى مراقبتها واحصائها.
يا ايها الناس، يا ايها اللبنانيون، يا ايها الزاعمون انكم سياديون، كفى دجلاً وكذباً وتدليساً على الناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
وورد في الخطبة ما يلي:
بين العلم والاهواء
كيف يطمئن المؤمن إلى أنه على الحق؟:
كثيراً ما يتساءل الإنسان عن نفسه، ولا سيما إذا كان مسلماً يعيش بين الكافرين، أو مستقيماً بين المنحرفين، أو صادقاً بين المنافقين، وقد يخطر في باله: هل أنا على الحق، وكل هؤلاء على الباطل؟ وكيف يستقيم هذا الأمر؟ إنه سؤال يتكرر في كل زمان، ويزداد حضوراً في ظروفنا التي نعيشها اليوم، ولعل الجواب يكمن في قول الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: 14-15)، فالإنسان أعلم بنفسه، وإن أكثر من الاعتذار، فهو يعلم في قرارة نفسه أهو على الحق أم على الباطل، وله على نفسه شاهد في الدنيا قبل الآخرة… وهذا من صميم عقيدتنا؛ إذ ينبغي للمؤمن أن يراجع نفسه دائماً، وأن يجعل ميزانه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
حقيقة الروح وحدود العلم البشري:
والروح من أعظم أسرار الله تعالى، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء 85)، وينبغي أن يبقى هذا المعنى راسخاً في الأذهان، ومن اللطائف اللغوية أن الرُّوح بضم الراء هي التي بها حياة الإنسان، أما الرَّوْح بفتح الراء وسكون الواو فهو الفرج والرحمة والراحة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف 87)، أي: لا ييأس من فرج الله ورحمته إلا الكافرون، ولذلك فإن الإنسان مأمور بطلب العلم في كل المجالات، لكنه يعلم في الوقت نفسه أن هناك أموراً استأثر الله بعلمها، وفي مقدمتها حقيقة الروح وكيفيتها، قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه 114)، وهذه الآية أصلٌ في الحث على طلب العلم النافع بجميع أنواعه.
حدود العقل البشري أمام سرِّ الروح:
ومع كل ما أمرنا الله تعالى به من طلب العلم، فإن هناك أموراً جعلها سبحانه فوق إدراك الإنسان، وفي مقدمتها حقيقة الروح، فليس معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85، أن الإسلام يزهد في العلم أو يحجر على العقل، بل المعنى أن الله سبحانه يعلم حدود قدرات الإنسان، وأنه مهما بلغ من التقدم العلمي، فسيبقى عاجزاً عن إدراك بعض أسرار الخلق، ولو سألنا اليوم كبار الأطباء، وأعظم علماء الفيزياء والكيمياء والأحياء، ماذا عرف الإنسان عن حقيقة الروح؟ لكان الجواب: لا شيء يذكر.
لقد حاول الإنسان أن يراقب لحظة الموت بأحدث الأجهزة، وأن يعرف: هل للروح وزن؟ وهل لها لون؟ وهل يمكن تصويرها أو الإمساك بها؟ فلم يصل إلى شيء.. لقد أغلق الله تعالى هذا الباب بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء:85)، وكم رأينا بأعيننا رجلاً يحتضر، وقد أحاط به أمهر الأطباء، وأحدث الأجهزة، فإذا خرجت الروح، وقف الجميع عاجزين لا يملكون لها رداً، وقد وصف الله تعالى هذا المشهد فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الواقعة 83-87)، إنها رسالة واضحة بأن الإنسان، مهما بلغ من القوة والعلم، يبقى عبداً ضعيفاً أمام قدرة الله عز وجل.
الإسلام دين العلم والإيمان:
ومن الحقائق التي ينبغي أن تبقى واضحة في أذهان المسلمين أن الإسلام دين العلم، وأن القرآن الكريم دعا إلى العلم بجميع أنواعه، وربط بين المعرفة الصحيحة والإيمان الصادق، ففي سورة الزمر يقول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر 9)، فهنا يمدح الله العلم الذي يقود صاحبه إلى العبادة والخشية، وهو العلم الشرعي الذي يورث صاحبه معرفة الله تعالى، فيقوم الليل، ويحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه.
وفي موضع آخر، يدعونا القرآن إلى التأمل في الكون، وإلى دراسة الطبيعة، واكتشاف سنن الله في خلقه، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر 27-28)، إن هذه الآيات الكريمة تعرض مشاهد من الكون: اختلاف ألوان الثمار، وتنوع طبقات الجبال، وتباين ألوان البشر والدواب والأنعام، ثم تختم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فكلما ازداد الإنسان معرفة بخلق الله، ازداد يقيناً بعظمة الخالق، وازدادت خشيته له، ثم يعقب الله تعالى مباشرة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ (فاطر 29)، فجمع سبحانه بين التأمل في الكون، وبين تلاوة القرآن، وبين العبادة والعمل الصالح، ليبين أن الإسلام لا يفصل بين علوم الدين وعلوم الحياة، بل يجعل الجميع طريقاً إلى معرفة الله وخدمـة الإنسان.
طلب العلم يشمل جميع العلوم النافعة:
ومن هنا يتبين أن الإسلام لم يحصر طلب العلم في علوم الشريعة وحدها، بل دعا إلى كل علمٍ نافعٍ تحتاج إليه الأمة، وقد يتوهم بعض الناس أن النصوص الواردة في فضل العلم لا تتناول إلا العلوم الشرعية، غير أن التأمل في نصوص القرآن والسنة يدل على أن كل علمٍ يحقق مصلحة الناس، ويعينهم على عمارة الأرض، داخل في هذا الفضل، مع بقاء علوم الشريعة في مقدمة العلوم وأشرفها، وقد ورد في الحديث الشريف: “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع”، كما ورد: “وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء“، وهذا يشمل كل علمٍ نافع يعود بالنفع على الأمة والإنسانية.
فالجغرافيا تعين المسلم على معرفة القبلة، وعلم الفلك يحدد مواقيت الصلاة والصيام والحج، والطب يحفظ الأنفس، والهندسة والعمران وسائر العلوم تقوم بها مصالح الناس.
ولهذا ازدهرت الحضارة الإسلامية في مختلف ميادين المعرفة، فبرز علماء كبار في الرياضيات، والفلك، والطب، والبصريات، والكيمياء، والجغرافيا، وغيرها من العلوم.
ومن أشهرهم الإمام محمد بن موسى الخوارزمي، الذي لا يزال اسمه حاضراً في عالم الحاسوب من خلال كلمة Algorithm المشتقة من اسمه، وهو شاهد على إسهام الحضارة الإسلامية في بناء المعرفة الإنسانية، كما كان الشريف الإدريسي من أعظم علماء الجغرافيا، وقد رسم من أوائل الخرائط الدقيقة للعالم المعروف في عصره، قبل الاكتشافات الجغرافية الأوروبية بقرون، وهكذا يتبين أن الإسلام لم يكن يوماً عدواً للعلم، بل كان من أعظم الدوافع إليه، وجعل طلب العلم عبادة، وربط بين المعرفة الصحيحة والإيمان الصادق.
بلعام بن باعوراء… نموذج العالم الذي أضاع علمه:
ومن أعظم الأمثلة التي ضربها القرآن لهذه الحقيقة قصة بلعام بن باعوراء، الذي كان عالماً عابداً، آتاه الله علماً، واستجاب دعاءه، ثم غلبه حب الدنيا، فخسر كل شيء، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف 175-176)، تأملوا قوله تعالى: ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾؛ أي إن الآيات كانت قد امتزجت بقلبه، ثم نزعها من نفسه باتباع الهوى، فاستحق هذا المثل القاسي.
إن هذه القصة تعلمنا أن العلم، والثقافة، وكثرة الاطلاع، والشهادات، ليست وحدها ضماناً للهداية، وإنما الهداية ثمرة إخلاص القلب، وحفظ الفطرة، والثبات على طاعة الله.
ولهذا قد تجد صاحب شهادة عالية بعيداً عن الله، وقد تجد رجلاً بسيطاً محدود التعليم، لكنه أقرب إلى الله، وأصدق إيماناً، وأقوم سلوكاً؛ لأن المعيار الحقيقي هو تقوى الله، لا مجرد كثرة المعلومات.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 17-7-2026:
https://www.facebook.com/reel/1326180312914008

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ماهر حمود