بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 19 ذو الحجة 1447هـ الموافق له 5 حزيران 2026م
ذكريات حزيران
لا تسبوا الدهر:
يقول رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل:«لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، بيده الليل والنهار يقلبهما كيف يشاء»، وقد يعتاد بعض الناس أن يقولوا: هذا يوم نحس، أو هذه سنة نحس، أو هذا رقم نحس، وهذا لا يجوز شرعاً، لأن الأيام والشهور لا تصنع الأحداث، وإنما الناس هم الذين يصنعون أعمالهم، والله سبحانه هو المدبر للأزمان والأحوال.
وقد أحسن الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنبٍ ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئبٍ ويأكل بعضنا بعضاً عياناً
حزيران بين الذكريات المؤلمة والعبر:
ولعلنا في هذه الأيام لا نستطيع أن نتجاوز ما يحمله شهر حزيران من ذكريات قاسية في تاريخ أمتنا، ففي الخامس من حزيران كانت هزيمة عام 1967، وفي السادس من حزيران بدأ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وفي الثالث من حزيران 2026 الاتفاق المشروط لوقف اطلاق النارفي لبنان، كما ترتبط هذه الأيام بمحطات أخرى مؤثرة في تاريخ الأمة، ومع ذلك، فإن حزيران ليس مسؤولاً عما جرى، كما أن أي شهر آخر ليس سبباً للخير أو الشر، وإنما نحن المسؤولون عن واقعنا بما قدمت أيدينا.
الإيمان يصنع اليقين وسط الألم
نحن أمام آلام كبيرة تمر بها أمتنا، ولكن المؤمن يختلف عن غيره بعمق إيمانه ورسوخ عقيدته، فالمؤمن يعلم يقيناً أن النصر في نهاية المطاف لهذا الدين، وأن الهزيمة مصير الظالمين والمعتدين، كما يعلم أن ما أصاب الأمة إنما هو نتيجة تقصيرها في أداء واجباتها، وبعدها عن منهج ربها، وأن الله تعالى قد حذرنا من أسباب الضعف والانهيار.
وقد أخبرنا رسول الله ﷺ منذ قرون عن واقعنا هذا حين قال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قالوا: أوَمِن قلة نحن يومئذ يا رسول الله، قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينـزعن الله المهابة منكم من صدور عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن»، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». إنه وصف دقيق لحال الأمة عندما تضعف الإرادة، وتغيب الرسالة، ويتقدم التعلق بالدنيا على التضحية في سبيل المبادئ.
الخيرية مشروطة وليست مطلقة
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110)، فالله تعالى جعل خيرية هذه الأمة مرتبطة بشروط واضحة: الإيمان بالله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولذلك فإن الأمة إذا تخلت عن هذه الواجبات فقدت أسباب القوة والتمكين.
النصر يحتاج إلى إعداد لا إلى شعارات
لقد علمنا القرآن الكريم أن النصر لا يصنعه الخطاب وحده، ولا تصنعه العواطف المجردة، وإنما يصنعه الإعداد الجاد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (التوبة: 46-47)، لقد شهدت أمتنا كثيراً من الخطب الحماسية والشعارات الرنانة، لكن التجارب أثبتت أن النصر يحتاج إلى إعداد وتضحية وصبر ومثابرة.
الثبات في مواجهة حملات التشويه
رغم الحصار، والقصف، والتشويه الإعلامي، ومحاولات بث اليأس والإحباط، فإن الحق يبقى حقاً، والباطل يبقى باطلاً، وقد قال الله تعالى في وصف المعاندين:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18)، فبعض الناس لا يريد أن يسمع الحق ولا أن يرى الوقائع كما هي، لأن موقفه قد حُسم سلفاً، ومع ذلك، فإن الأمة لا ينبغي أن تستسلم لليأس، بل عليها أن تستفيد من كل فرصة، وأن تحافظ على ثوابتها مهما اشتدت الضغوط.
اننا ندين الحكم والحكومة لموافقتهم على اعلان النوايا الذي صدر من واشنطن، الذي تضمن انسحاب المقاومة من ارضها التي تستميت في الدفاع عنها ولا تطلب ولا تجدول الانسحاب الاسرائيلي، كما لم نسمع اي ادانة للتدمير الممنهج ولقتل الآمنين في بيوتهم والمسعفين والصحافيين وعمال الزراعة، وكل ذلك قوة للحكومة لو ارادت الاعتماد عليها، ولكنها تغفل عن ذلك عمدا.
عندما قال رئيس الجمهورية، فليتحمل كلٌ مسؤوليته، نقول له هل تحملت مسؤوليتك؟ هل حرصت على مواطنيك واهلك، ام كل همك ارضاء “الوسيط الاميركي”… ولرئيس الحكومة نقول، لنن ننسى انك بررت للعدو اعتداءاته على بيروت في 8 نيسان وزعمت ما لم يقله اليهودي الصهيوني؟ قلت بكل وقاحة: ثمة مخازن للسلاح في الابنية التي تستهدف، وهذا كذب وافتراء وتواطؤ مع العدو دون ريب في ذلك، هل يستطيع هؤلاء ان يحملوا مسؤولية الوطن؟ بالتأكيد لا.
لا للتشاؤم.. نعم للأمل والعمل
تمر في تاريخ الأمم مراحل صعبة، وربما تمر أيام أشد مما نعيش اليوم، لكن ذلك لا يغير الحقائق، فالحق لا يصبح باطلاً، والباطل لا يصبح حقاً.
والمطلوب أن تبقى في الأمة فئة مؤمنة ثابتة لا تتأثر بالضجيج الإعلامي، ولا تستسلم لحملات التثبيط، بل تستمر في أداء واجبها والعمل من أجل مستقبل أفضل.
الحذر من الفتنة المذهبية والطائفية
إن من أخطر ما يهدد المجتمعات إثارة العصبيات المذهبية والطائفية، والسعي إلى تفريق الناس وإشعال العداوات بينهم، وقد شهد تاريخنا نماذج كثيرة استُخدمت فيها الخلافات الداخلية لإضعاف الأمة وتمهيد الطريق أمام مشاريع الاحتلال والهيمنة.
ومن هنا فإن الواجب هو الحفاظ على الوحدة الوطنية والإسلامية، وتقديم المشتركات على عوامل الانقسام، وعدم الانجرار وراء دعوات التحريض والكراهية.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105).
مسؤولية الفرد في زمن الفتن
كثير من الناس يظن أن هذه الآية تعني الانعزال عن المجتمع وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس هذا هو المقصود، وإنما معناها: إذا ضل الناس فلا تضل معهم، وإذا انحرفوا فلا تنحرف معهم، وإذا فسدوا فلا تكن جزءاً من فسادهم، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا يكن أحدكم إمَّعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطِّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا»، فالمؤمن لا يتبع الأكثرية لمجرد أنها أكثرية، ولا يتبع الموضة أو التيار أو ما يسمى اليوم بـ«الترند»، وإنما يتبع الحق حيث كان. إذا كفر الناس فاثبت على إيمانك، وإذا خان الناس فتمسك بالأمانة، وإذا فسد الناس فحافظ على استقامتك، وإذا ضل الناس فاسأل الله الثبات.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 5-6-2026:
https://www.facebook.com/reel/2116494082627643

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ماهر حمود