بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 14 ذو القعدة 1447هـ الموافق له 1 ايار 2026م
بيان 16 نيسان: كذبٌ صريحٌ وفاجعةُ وطن
يحذّرنا الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة من خيانة الأمانة وقول الزور، فيقول جلّ شأنه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27)، ويقول في الكذب: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ﴾ (النحل: 105). والاستثناء الوحيد لإعلان كلمة الكفر هو الإكراه تحت السيف، كما حصل مع عمار بن ياسر رضي الله عنه عندما عذّبه المشركون فأكرهوه على النطق بكلمة الكفر، فجاء يبكي إلى رسول الله ﷺ، فنزلت الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ﴾ (النحل: 106).
وفي الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه (رقم 6094) ومسلم (رقم 2607) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا». والبرّ هو اسم جامع لكل مكرمة، كما يدل قول الله تعالى: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ (البقرة: 177). فالطريق إلى كل هذه الفضائل هو الصدق.
مكارم الأخلاق ميراثٌ إنسانيٌّ لا تحتكره أمة:
قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ والبيهقي: «إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق». وهذه الأخلاق موجودة في كل الشرائع، ليست حكرًا على المسلمين. فالسموأل بن عُريض بن عادياء (المتوفى نحو 560م) كان يهوديًا جاهليًا، ضرب به العرب المثل في الوفاء حتى قالوا: «أوفى من السموأل». وقصته أن امرأ القيس الكندي لمّا أراد المضيّ إلى قيصر الروم ليستعينه على استرداد ملكه، أودع عند السموأل في حصن الأبلق بتيماء دروعًا ثمينة. فلمّا مات امرؤ القيس، طمع الحارث بن أبي شمر الغسّاني فيها، فحاصر الحصن، وأمسك بابن السموأل وهدّد بقتله، فاختار السموأل أن يضحّي بابنه ويحفظ الأمانة، فقُتل ابنه أمامه ولم يخفر ذمته، هذا الموقف من يهوديٍّ جاهلي يجب أن يخجل منه كل من يدّعي السياسة والصدق اليوم.
ومن غير المسلمين عنترة بن شدّاد، الذي يقول في معلّقته الشهيرة:
وأَغُضُّ طَرفي ما بَدَتْ لي جارتي
حتى يُواري جارتي مأواها
ومرّ في معلّقته بمشاعر إنسانية رفيعة في قتاله ومحاوراته مع فرسه. وحاتم الطائيّ ضُرب به المثل في الكرم حتى جاء أبناؤه بعد البعثة إلى رسول الله ﷺ، فأكرمهم لكرم أبيهم. كل هذا يدل على أن الإسلام جاء ليُتمّم لا ليخترع مكارم الأخلاق.
حضارة الغرب بُنيت على الصدق التجاري وكذِب السياسة:
انظروا إلى الشركات العالمية التي اكتسحت بيوت العالم؛ كيف اكتسبت شهرتها؟ بالجودة والصدق في إرشادات الاستعمال. لو كذبت، لما نجحت، المجتمع الغربي في تجارته وعلاقاته اليومية يميل إلى الصدق، اهتدى إليه بالتجربة لا بالوحي. لكن في السياسة والعلاقات الدولية والأخلاق الجنسية والأسرية، فالأمر مختلف، لا تُبنى الدول بالكذب والخيانة كما يُبنى مشروع تجاري، فالكذب السياسي لا يُنتج إلا خرابًا.
15 شهراً من المصافحة لم تُعطِكم شيئًا:
أُريد اسمًا آخر لما يحصل اليوم: بيوت تُدمَّر، شعب يُهجَّر، مدنيون يُقتلون، صحفيون ومسعفون وجنود في الجيش اللبناني، أطفال ونساء، مؤسسات ومساجد. ولا يذكر “الشطّار” في الإعلام شيئًا، فقط الكذب الأمريكاني: «إذا تصافحتم مع نتنياهو تنتهي مشاكلكم». لقد جرّبتم هذا قبل، منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا [بدءًا من تشرين الثاني 2024 الذي شهد بدء سريان وقف إطلاق النار الأول] أعطيتموهم كل شيء، وسكتم عن كل شيء، وشاركتم في كل شيء. ماذا أعطوكم؟ جرّب محمود عباس فخلع كل شيء، واجتمعوا في شرم الشيخ ولم يذكروا فلسطين أو غزة، ولم يدعوا الرجل أصلًا،هو من صناعتكم وأنتم لا تعترفون به!.
الجيش الإسرائيلي عاجزٌ عن تفسير ظاهرة المقاومة:
اقرأوا الصحف الإسرائيلية لتروا كيف يُخبئون قتلاهم، وكيف يتحدثون عن مقاتلي حزب الله. من أين يأتون؟ يخرجون من الأرض أم ينزلون من السماء؟ كيف يحتفظون بهذا السلاح ويوجّهونه ويصيبون به الجيش الإسرائيلي بعد كل هذا الدمار والاغتيالات؟ هم أنفسهم عاجزون عن التفسير، اقرأوا الحوار بين نتنياهو ورئاسة الأركان الإسرائيلية: الجيش لا يريد هذه الحرب، ونتنياهو يريدها بصلَفه وكِبره، ونفس الشيء حصل في أمريكا: استقال الأدميرال ألفين هولسي رئيس القيادة الجنوبية الأمريكية في كانون الأول 2025، بعد أقل من سنة من تولّيه المنصب احتجاجًا على ضربات القوارب المشتبه في تهريبها للمخدرات قبالة سواحل فنزويلا، وكان الجيش الأمريكي قد قتل في تلك الضربات أكثر من 87 شخصًا، وقال لترامب وهيغسيث: «هذا الذي تعمله غلط، لتصير فيتنام ثانية»، وأنتم راضون!.
بيان 16 نيسان: كذبٌ صريحٌ وفاجعةُ وطن:
الفاجعة التي صارت من يومين: عندما يقول الرئيس [جوزيف عون أمام وفد حاصبيا والعرقوب يوم 27 نيسان 2026] إن البيان الذي صدر عن الخارجية الأمريكية في 16 نيسان 2026 هو نفسه الذي اعتُمد في وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، فهذا كذبٌ مكشوف. هناك في بيان تشرين الثاني 2024 ذُكر القرار 1701، وانسحاب إسرائيلي خلال ستين يومًا، وإعادة الإعمار. أما بيان 16 نيسان 2026 الصادر عن الخارجية الأمريكية بعد اللقاء بين السفيرتين اللبنانية والإسرائيلية في 14 نيسان، فلم يُذكَر فيه شيء من ذلك، بل فيه:« تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مُخطط لها أو وشيكة أو جارية»، أي بقراءة الأفكار وبالنوايا، يحقّ لها أن تضرب وتقتل! ويقول البيان أيضًا إن الحكومة اللبنانية ستتخذ خطوات لمنع حزب الله وكل «الجماعات المارقة»، ويخاطب نتنياهو جوزيف عون قائلا: أنت شريكي فيما أفعل في جنوب لبنان! «سكت دهرًا ونطق كفرًا»، وأي أحدٍ يعارض ذلك يُتّهم بـ«التخوين»، حتى إن جريدة الأخبار وكتّابها كأملٍ خليل يجوز قتلهم لأنهم متعاطفون مع المقاومة! وأي طفل صغير في الجنوب قد يكبر فيصير مقاتلًا، فهذا «خطر محتمل» يجيز إبادته.
اليد التي عرقلت الإصلاح هي اليد الأمريكية:
كل مشاكلنا، من فساد الكهرباء إلى الإدارة، نعم موجودة، ولكن مَن عرقل كل مشاريع الإصلاح؟ الأمريكان ووراءهم اليهود. وسيأتي يوم تنكشف فيه كل الحقائق: انفجار مرفأ بيروت [في 4 آب/أغسطس 2020]، والأزمة المالية في عام 2019 التي قال خبراء كثيرون إنها لم تكن طبيعية، فإذا كان الأمريكي يمارس عليك العداوة ثم تظنّ أنك بكلمة مصافحة تنهيها، لا، لا يمكن. السعودية اليوم هي التي تغطّي الانحدار وتعطي قوات جعجع دورًا غير مسبوق، السعودي والمصري والتركي يبعثون جميعًا رسائل في الاتجاه نفسه: “طوّلوا بالكم، لو حصل وصافح عون نتنياهو، استفاد نتنياهو، وأنتم لن تستفيدوا شيئًا”.
دار الفتوى تنطق كفرًا بعد ما سكتت دهرًا:
العقل الذي طرأ مؤخرًا على بعض السعودية لم يصل بعد إلى دار الفتوى في لبنان، فقد أصدر المجلس الشرعي بيانًا سخيفًا يوم السبت يقول فيه: «يحقّ لرئيس الجمهورية أن يفاوض»، لكن مَن أنت؟ من قال إن المفتي أو المجلس الشرعي يمنحان غطاءً؟ أنت لا تغطّي نفسك، والناس يعرفون أنك مجرد موظف صغير لا تنطق إلا بأمر، وأنت أصلًا صامت بالشكل كامل.
كل مراكز الفتوى الرسمية في العالم الإسلامي تقريبًا لا يُعوَّل عليها. ربما المفتي الليبي [الشيخ الصادق الغرياني] استثناء. أما العلماء الكبار فأكثرهم في السجون: مئات الآلاف من علماء السعودية في السجون، ومنهم سلمان العودة، وسفر الحوالي، وعوض القرني والمنجد وغيرهم، وهؤلاء أنفسهم كانوا قد أُعطيت لهم الشاشات، فكانوا يقولون ما يريد الحاكم، حتى ركب أحدهم مع طياري قصف اليمن، وكتب آخر على الصاروخ «الجهاد في سبيل الله»! ومع ذلك لم يشفع لهم. الوظيفة المطلوبة منهم: أن يفتوا بحلية بيع الخمور كما فعل وأن يفتوا بأهمية هيئة الترفيه التي تأتي بالعاهرات إلى الرياض، وأن يؤكدوا أن مشروع نيوم مشروع حضاري عظيم.
العلماء الذين كتبوا التاريخ بدمائهم لا بأقلام السلاطين:
العلماء الأبرار الكبار كتبوا التاريخ بدمائهم كما بحبرهم. وحكام ذلك الزمان رغم أخطائهم كان عندهم ما يُحترمون عليه: ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ (التوبة: 102)، المعتصم بالله العباسي ضرب الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن واستشار المنجمين، لكنه حين سمع استغاثة المرأة الهاشمية في عمورية «وامعتصماه» استجاب في لحظتها، فجهّز جيشًا عظيمًا وفتح عمورية في 17 رمضان 223هـ الموافق 12 آب 838م، وهارون الرشيد عنده من الأخطاء ما عنده، لكن لمّا أرسل إليه نقفور ملك الروم رسالة الإذلال يطالبه بإعادة الجزية، كتب على ظهر الرسالة عام 187هـ/803م: «من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه»، وجهّز جيشًا وانتصر، أما الآن فلا هذا ولا ذاك، بل ذلّ وصلَف فاجر.
المداخلة: فقهُ الانبطاح ودينُ موظفي السلطان:
أتباع المدخلية (نسبةً إلى ربيع المدخلي في السعودية) أفسدوا علينا ديننا، يفتون بأن «طاعة وليّ الأمر واجبة لو رأيتموه يزني أو يقتل، المهم أن لا يكفر». وقد حرّفوا قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: 59). لاحظوا: أعاد كلمة «أطيعوا» مع الله ومع الرسول، ولم يُعدها مع أولي الأمر، فطاعة وليّ الأمر ليست مستقلة، بل تابعة لطاعة الله ورسوله، فإن خالف فلا طاعة له.
عيد العمال، عيد إسلامي:
نحن المسلمون كرم ديننا العمال قبل 1400 سنة. أمَا قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه (رقم 2443) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه»؟ هذه جملة واحدة تختزن كل ما توصّلت إليه قوانين العمل الحديثة بعد قرون من النضال والدماء، وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري في صحيحه (رقم 2227) قال رسول الله ﷺ يخبر عن ربه عزّ وجلّ: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة… ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يُعطِه أجره»، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ (الأعراف: 85)، ويقول جلّ شأنه عن نبي الله موسى عليه السلام حين تعاقد مع الرجل الصالح: ﴿قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَٰنِىَ حِجَجٍ﴾ (القصص: 27)، تعاقدٌ واضح، بأجلٍ معلوم، وبأجرٍ معلوم.
خاتمة: الكلمة الحرّة أمانةٌ في أعناق العلماء:
إن الذين يسكتون اليوم عن جرائم تُرتكب باسم «السلام» ويسوّقون لاستسلامٍ مذلّ، إنما يُسلّمون أوطانهم لأعدائها، ويتنكّرون لميراث الأنبياء والصدّيقين، وإلى هؤلاء وأمثالهم نقول قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ﴾ (البقرة: 159). فاثبتوا على الحق، فإن النصر مع الصبر، وإن الفجر آتٍ لا محالة، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ (الروم: 4-5).
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 1-5-2026:
https://www.facebook.com/reel/1629845004939261

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ماهر حمود