الاعلام الكاذب وعمارة المسجد الحرام

    بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 5 جمادى الاولى 1448هـ الموافق له 16 تشرين الاول 2026م

الاعلام الكاذب وعمارة المسجد الحرام

‏‏‏‏عندما خاطب رسول الله ﷺ الجمهور لاول مرة، صدقه الناس، لأنه قدم الى هذا الموقف عمره كله صادقاً أميناً، عندما يخاطبنا اليوم الاعلام اللبناني بالحديث عن السيادة في مواجهة ايران وحزب الله ويبررون انتهاك السيادة يومياً من قبل الاميركي والسعودي فضلاً عن الصهيوني.

وعندما يحدثنا الاعلام السعودي عن حماية الحرمين والدفاع عن الاسلام، وهو يمكّن الاميركي ومن خلفه الصهيوني من قرارنا السياسي وبترولنا وكل مقدارتنا، ويفتح ارض الحرمين لكل الموبقات ، فلن نصدقه عندما يقول ان عدوانه على اليمن هو من اجل الاسلام ومن اجل الحرمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وورد في الخطبة ما يلي:

الإعلام الكاذب وكيف يفقد الناس ثقتهم به:

لطالما ضربنا المثل بما حدث في أول إعلان علني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعوته، فبعد أن نزل الوحي عليه، وبدأت الدعوة، مكث في مكة نحو ثلاث سنوات يدعو الناس سرًّا، ويختار من يثق بهم، فيخبرهم بما جاءه من الوحي. وكان من أوائل من آمن به أصدقاؤه والمقربون منه، الذين عرفوا صدقه وأمانته، ثم نزل قول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، ونادى بطون قريش، فاجتمعوا إليه، وقالوا: ما لك؟ فقال لهم، بما معناه: “أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟”. قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك كذبًا، فقال لهم: “فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد”.

وهكذا أخبرهم بدعوته، ودعاهم إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأصنام. لكنهم بدلًا من أن يتأملوا ما يقوله، واجهوه بالإنكار والإساءة، وقال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا جمعتنا، لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم معروفًا بينهم بالصادق الأمين، وكان قد أمضى نحو أربعين عامًا من حياته قبل أن يعلن دعوته، لم يعرفوا عنه كذبًا ولا خيانة. ومع ذلك، حين دعاهم إلى ما يخالف معتقداتهم ومصالحهم، أنكروا صدقه، مع أنهم كانوا يشهدون له به من قبل، وهذه أولى العبر التي ينبغي أن نتوقف عندها: قد يعرف الناس صدق الإنسان طوال حياته، ثم ينكرون صدقه عندما تتعارض رسالته مع مصالحهم أو أفكارهم أو مواقعهم الاجتماعية، وهكذا كان سجل النبي صلى الله عليه وسلم السابق في الصدق والأمانة حجة عليه من جهة، وحجة له من جهة أخرى، لكن المصالح والخصومات قد تدفع الإنسان إلى إنكار ما يعرفه من الحق.

وهنا نصل إلى الإعلام، عندما يكذب الإعلام صباحًا ومساءً، وفي كل مناسبة، ثم يطلب من الناس أن يصدقوه، فكيف يمكن أن يحافظ على ثقتهم؟ وعندما يتحدث بعض الإعلام اللبناني عن السيادة الوطنية، بينما يتهمه خصومه بأنه يتلقى التوجيهات من الخارج، من الولايات المتحدة أو السعودية أو إسرائيل، فكيف يمكن للناس أن يطمئنوا إلى خطابه؟ إن هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة، لكن المبدأ واضح: لا تكفي الشعارات لإثبات صدق المواقف، بل ينبغي أن تتوافق الأقوال مع الأفعال.

وفي قضية الشحنة التي أُوقفت في منطقة ظهر البيضة، طُرحت روايات عن دور إسرائيلي في كشفها، وعن احتمال حصول تنسيق مع جهات لبنانية. وهذه أمور ينبغي التثبت منها قبل الجزم بها. وإذا صح أن جهة خارجية هي التي زودت السلطات بالمعلومات، فمن حق الناس أن يسألوا عن طبيعة هذا التنسيق وحدوده، وعن مدى استقلال القرار الوطني، وقد ازداد الحديث في السنوات الأخيرة عن الذكاء الاصطناعي وقدرته على جمع المعلومات وتحليلها. لكن وجود هذه التقنيات لا يبرر إطلاق الاتهامات بلا دليل، كما لا يعفي المؤسسات من واجب الشفافية والمساءلة.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: عندما يرفع المسؤولون شعار السيادة، فهل يمارسونها فعلًا، أم يكتفون بترديدها في الخطابات؟ ومن الأمثلة التي يثيرها هذا الموضوع أيضًا ما يتعلق بحرية التعبير والقانون. فإذا كان بلد ما يرفع شعار دولة القانون والحريات، فمن الطبيعي أن يُسأل عن مدى احترامه لحق المواطنين في اللجوء إلى القضاء، وعن اتساق مواقفه القانونية مع القواعد التي يعلن التمسك بها.

وفي لبنان، تثار كذلك أسئلة بشأن القوانين التي تنظم الاتصال بالعدو الإسرائيلي، وبشأن الضغوط السياسية التي قد تُمارس لتعديل بعض التشريعات أو تغيير تطبيقها. والمطلوب في كل ذلك أن تكون الأحكام القانونية واضحة، وأن تُطبَّق على الجميع من دون انتقائية أو خضوع للإملاءات الخارجية، إن المشكلة ليست في مجرد الاختلاف السياسي، بل في أن تتحول الشعارات إلى ستار يحجب حقيقة المواقف، وأن يُطلب من الناس تصديق خطاب لا يجدون له شواهد في الواقع.

حماية الحرمين الشريفين بين الشعارات والالتزام الديني:

ومن هنا ننتقل إلى الحديث عن المملكة العربية السعودية، وما ترفعه من شعارات تتعلق بحماية الحرمين الشريفين وخدمة الإسلام والمسلمين، إن خدمة الحرمين الشريفين شرف عظيم، ولا ينكر أحد أهمية العناية بالحجاج والمعتمرين، وتوفير الأمن والراحة لهم، وتيسير أداء مناسكهم. لكن السؤال الذي نطرحه هو: هل تكفي هذه الخدمة وحدها للحكم على المواقف السياسية والدينية؟ وهل تمنح القائمين عليها حصانة من النقد والمساءلة؟ إن القرآن الكريم يضع معيارًا واضحًا في التعامل مع الآخرين، فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، وتُستحضر هذه الآية في النقاش حول طبيعة التحالفات السياسية، وحدودها، ومدى انسجامها مع المصالح الإسلامية. غير أن تنزيل النصوص الشرعية على الوقائع السياسية المعاصرة يحتاج إلى فهم سياقاتها، وتحديد المقصود بالولاية، والتمييز بين صور العلاقات المختلفة، بدل الاكتفاء بإطلاق الأحكام العامة.

مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف:

ومن الإنصاف أيضًا أن نتوقف عند أحد أبرز المشروعات التي ارتبطت بخدمة القرآن الكريم، وهو مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورةK لقد أسهم المجمع إسهامًا كبيرًا في طباعة المصحف الشريف وتوزيعه، وإعداد الترجمات إلى لغات متعددة، وتوفير نسخ يستفيد منها المسلمون في أنحاء العالم،وهذا إنجاز يستحق التقدير، ولا ينبغي إنكاره لمجرد الاختلاف السياسي مع الجهة التي قامت به. كما أن الإقرار بفضله لا يعني الموافقة على جميع السياسات التي تتبعها تلك الجهة.

ويُنسب إلى الإمام الخميني في بعض الكتابات نقدٌ سياسي مفاده أن خدمة القرآن قد تُستخدم لتغطية مواقف مخالفة لمبادئه. غير أن نسبة هذا القول إليه بلفظه تحتاج إلى التثبت من نص وصيته أو مصدر موثوق، فلا ينبغي الجزم بصحة العبارة من دون توثيق.

إن خدمة القرآن الكريم شرف عظيم، لكن الشرف الحقيقي يكتمل بالعمل بأحكامه والالتزام بقيمه، لا بالاكتفاء بطباعته ونشره، ومن هنا نعود إلى السؤال الأساسي: هل تكفي عمارة المسجد الحرام، وسدانة الكعبة، وخدمة المصحف الشريف، لتبرير أي موقف سياسي، أو لإعفاء صاحبه من المسؤولية تجاه قضايا المسلمين؟ الجواب أن هذه الأعمال، على جلال قدرها، لا تمنح أحدًا حق مخالفة العدل أو التنازل عن الحقوق أو منع الناس من التعبير عن آرائهم المشروعة، فلا ينبغي أن تتحول خدمة المقدسات إلى وسيلة لإسكات الأصوات الناقدة، أو منع الحديث عن غزة وفلسطين والضفة الغربية ولبنان، أو تجريم كل موقف لا ينسجم مع السياسة الرسمية.

كما أن تصنيف الحركات السياسية أو المقاومة، والحكم على أفعالها، يحتاج إلى دراسة الوقائع والأدلة والمعايير القانونية والشرعية، لا إلى الاكتفاء بالأوصاف التي تطلقها جهة على جهة أخرى، إن القضايا الكبرى لا تُحسم بالشعارات، بل بميزان العدل والحق، وبالتمييز بين الوقائع الثابتة والدعاوى التي تحتاج إلى إثبات.

التنافس على السقاية والسدانة ومكانة الإيمان:

وتذكر كتب التفسير والسيرة روايات تتصل بالتنافس بين أصحاب بعض الوظائف الدينية والاجتماعية في مكة قبل الإسلام، ومنها سقاية الحجاج وسدانة الكعبة، وكانت السقاية تعني توفير الماء للحجاج، بينما ارتبطت الرفادة بإطعامهم، وكانت السدانة من الوظائف التي تمنح أصحابها مكانة اجتماعية معتبرة، وقد ورد في أسباب نزول آيات سورة التوبة المتعلقة بالسقاية والعمارة أن نقاشًا دار حول المفاضلة بين هذه الأعمال وبين الإيمان والجهاد. وتختلف الروايات في تعيين الأشخاص وتفاصيل الحوار، ولذلك ينبغي عدم الجزم بكل تفصيل من تفاصيلها من دون مراجعة مصادره، والمعنى الذي تؤكده الآيات هو أن شرف الوظيفة الاجتماعية، مهما بلغت أهميته، لا يغني عن الإيمان والعمل الصالح، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للتفاخر أو ادعاء التفوق الديني على الآخرين.

أن السقاية والرفادة والسدانة واللواء كانت، في المجتمع المكي، أكثر من مجرد وظائف خدمية؛ فقد ارتبطت بالزعامة والوجاهة والنفوذ، وهذا يؤكد أن خدمة الناس، ورعاية الأماكن المقدسة، والقيام بالأعمال العامة، كلها أمور ذات قيمة، لكنها لا تُعد دليلًا مستقلًا على صحة كل معتقد أو موقف سياسي يتبناه القائمون بها.

خدمة الحرمين لا تعني العصمة من النقد:

إننا حين نتحدث عن الحرمين الشريفين، فإننا نتحدث عن مكانة دينية عظيمة لدى المسلمين جميعًا. ولا ينبغي أن يكون النقاش حول السياسات أو الحكومات سببًا في الانتقاص من قداسة المكان أو من حق المسلمين في زيارته وأداء مناسكهم فيه، ومن الإنصاف الاعتراف بما تحقق من تطور في إدارة الحرمين، وفي توسعة مرافقهما وتنظيم الحج والعمرة وتوفير الخدمات للحجاج. فهذه أعمال مهمة ينتفع بها ملايين المسلمين، ويجب الإقرار بما فيها من جهد وإنجاز، لكن الاعتراف بالإنجاز لا يعني إسقاط حق النقد، كما أن نقد السياسات لا يقتضي إنكار كل عمل نافع.

إن السؤال الذي نطرحه هو: هل تبرر خدمة الحرمين تسليم القرار السياسي للأمة إلى القوى الخارجية؟ وهل يجوز أن تتحول المكانة الدينية إلى حصانة من المساءلة بشأن المواقف من قضايا المسلمين؟ إن المسجد الحرام ليس ملكًا معنويًّا لفئة تحتكر حق الحديث باسم الإسلام، بل هو قبلة المسلمين جميعًا، وخدمته أمانة عظيمة تقتضي التواضع والمسؤولية والعدل.

اليمن والصراع الإقليمي وميزان العدل:

ان ما يجري في اليمن، وإلى الصراع الإقليمي الذي تتداخل فيه المصالح السعودية والأمريكية والإسرائيلية، بحسب ما يراه أصحاب هذا الخطاب، إن الموقف من الحرب في اليمن لا ينبغي أن يقوم على الانحياز الأعمى إلى طرف، ولا على تبرير كل ما يصدر عن الطرف الآخر. بل ينبغي أن يبدأ بسؤال أساسي: من بدأ الحرب؟ وما الأسباب التي أدت إليها؟ وما النتائج التي ترتبت عليها؟ ومن يتحمل مسؤولية ما أصاب المدنيين من قتل ودمار وحرمان؟ لقد بدأت العمليات العسكرية التي قادها التحالف بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، تحت اسم “عاصفة الحزم”، ثم طُرحت لاحقًا مبادرات ومراحل سياسية وعسكرية أخرى، من بينها الحديث عن “إعادة الأمل”، ومن حقنا أن نتساءل عن النتائج التي تحققت، وعن حجم الخسائر البشرية والاقتصادية، وعن مدى نجاح تلك العمليات في تحقيق أهدافها المعلنة، ولا يجوز أن يتحول مرور الزمن إلى وسيلة لنسيان المآسي، أو أن يُطلب من الناس تجاهل ما أصاب اليمنيين من معاناة، فإن نقد التدخل العسكري لا يعني تبرير استهداف المدنيين، أو مهاجمة المطارات والمنشآت المدنية، أو الاعتداء على الأشخاص لمجرد انتمائهم إلى دولة أو مجتمع معين، وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]، وهاتان الآيتان تؤكدان أن العدل لا يسقط بسبب الخصومة، وأن الغضب من ظلم سابق لا يمنح الإنسان حق ارتكاب ظلم جديد، ومن هنا، فإننا نرفض استهداف المدنيين، ونرفض كذلك أن تُستخدم معاناة شعب لتبرير استمرار العدوان عليه أو إخضاعه بالقوة.

وإذا وقع اعتداء على مطار أو منشأة مدنية، فلا بد من التثبت من طبيعة الهدف والظروف المحيطة بالعملية، ومن وجود المدنيين، ومن مدى الالتزام بالقواعد القانونية والإنسانية. فهذه مسائل لا يجوز حسمها بمجرد المواقف السياسية المسبقة، إن الشعوب ليست مسؤولة جماعيًّا عن قرارات حكوماتها، ولا يجوز أن يتحول العامل أو الطالب أو المسافر إلى هدف مشروع لمجرد أنه يحمل جنسية دولة معينة، وفي الوقت نفسه، فإن من حق اليمنيين أن يعيشوا بأمن وكرامة، وأن يقرروا مستقبلهم بعيدًا عن الإملاءات الخارجية، وأن تُرفع عنهم آثار الحرب والحصار والدمار.

لماذا تتفاوت المواقف من اليمن ومن السعودية؟:

من الأسئلة التي تستحق التأمل:  لماذا نجد أحيانًا حملات إعلامية وسياسية واسعة ضد طرف معين، في حين يكون التعامل مع الطرف الآخر أكثر تساهلًا، حتى عندما تكون الاتهامات الموجهة إليه خطيرة؟ إن تفسير ذلك يحتاج إلى النظر في المصالح الاقتصادية، والتحالفات السياسية، ومصادر التمويل، وطبيعة العلاقات الدولية، وتأثيرها في وسائل الإعلام، فالدول لا تتحرك دائمًا وفق المبادئ المعلنة وحدها، بل قد تؤثر في قراراتها المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، لكن ينبغي ألا نعمم الاتهامات، أو نجزم بأن كل موقف إعلامي مدفوع بالمال، من دون دليل. فالمطلوب هو فحص كل حالة على حدة، وكشف التناقضات حيث تثبت، ومحاسبة الجهات التي تضلل الرأي العام.

موقفنا من الحرب ومن معاناة الشعوب:

لا بد من التأكيد على أننا لا نؤيد القصف العشوائي للمطارات والمنشآت المدنية، ولا نرى أن سقوط الضحايا المدنيين أمر يمكن الاستهانة به أو الاحتفال به، فإذا مات جندي أو دُمّرت منشأة، فإن الحكم على الحدث يحتاج إلى معرفة ملابساته، ولا يجوز أن نتعامل مع الموت والدمار باعتبارهما مادة للشماتة المجردة، ولا يجوز أن ننسى أن الشعب اليمني عانى سنوات طويلة من الحرب، وأن المسؤولية عن هذه المعاناة تستدعي تحقيقًا ومحاسبة، لا أن تُختزل في إدانة طرف واحد وتبرئة سائر الأطراف، ومن حقنا أن ننتقد السياسات السعودية والأمريكية، وأن نبحث في مدى ارتباطها بالمصالح الإسرائيلية، لكن ينبغي أن نستند في ذلك إلى الوقائع الموثقة، وأن نميز بين التحليل السياسي والاتهام الذي يحتاج إلى دليل، كما أن الدفاع عن حقوق اليمنيين لا يقتضي تأييد كل قرار يصدر عن أنصار الله، مثلما أن رفض بعض مواقف أنصار الله لا يبرر تجاهل حقوق اليمنيين أو تبرئة من شاركوا في الحرب، فمن حق الشعوب أن تقاوم الظلم، ومن واجب جميع الأطراف احترام أرواح المدنيين وحقوقهم. ولا يجوز أن تتحول الشعارات الدينية أو الوطنية إلى ذريعة لتبرير الاعتداءات أو إسكات النقد.

إننا نريد لليمن أن يعيش بسلام وكرامة، وللبنان أن يبقى حرًّا مستقلًّا، ولفلسطين أن تنال حقوق شعبها، ولجميع شعوب المنطقة أن تتحرر من الحروب والتدخلات التي تستنزف مواردها وتبدد مستقبل أبنائها.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 16-10-2026:

https://www.facebook.com/reel/938314479051042