هزيمة ترامب، هل تعني زوال اسرائيل؟

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 26 جمادى الاولى 1448هـ الموافق له 6 تشرين الثاني 2026م

هزيمة ترامب، هل تعني زوال اسرائيل؟

خيرية الأمة وعلامات الساعة وزوال إسرائيل:

تربط الآيات الكريمة من سورة آل عمران بين خيرية أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وبين ما ورد في شأن بني إسرائيل من الذلة والمسكنة والغضب الإلهي، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110)، وهذه الخيرية ليست امتيازًا عرقيًا أو نسبًا موروثًا، بل هي خيرية مشروطة بالإيمان والعمل الصالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذكر الآيات أن الذلة التي ضُربت على بني إسرائيل لا تُرفع إلا بحبل من الله أو حبل من الناس، ويمكن أن نفهم من ذلك أن رفع الذلة يكون بالرجوع إلى الله والالتزام بالحق، أو بما يحصل عليه الإنسان من دعم الآخرين وحمايتهم، وهذا ما شهدناه في تاريخ المشروع الصهيوني، فمنذ وعد بلفور عام 1917 حظيت الحركة الصهيونية بدعم بريطاني، ثم تعاظم هذا الدعم مع دخول الولايات المتحدة إلى ميدان السياسة الدولية، حتى أصبحت أميركا الداعم الأكبر لإسرائيل.

وقد احتضنت بريطانيا المشروع الصهيوني، رغم الأعمال العنيفة التي ارتكبتها بعض المنظمات الصهيونية ضد الوجود البريطاني نفسه، ومنها تفجير فندق الملك داود واغتيال الوسيط الدولي الكونت برنادوت، كما حاول المفكر الفرنسي روجيه غارودي في كتابه “ملف إسرائيل” تفسير جانب من التعاطف الغربي مع اليهود، في ضوء المواقف التاريخية التي تراكمت في المجتمعات الأوروبية، وبغض النظر عن الاتفاق مع تفسيره أو الاختلاف معه، فإن ما ينبغي التوقف عنده هو أن قوة إسرائيل واستمرارها ارتبطا إلى حد بعيد بالدعم الخارجي، الذي يمكن أن نسميه “حبل الناس”.

اهتزاز الدعم الأمريكي لإسرائيل:

شهدت السنوات الأخيرة مؤشرات على تراجع جانب من الدعم الشعبي والسياسي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وقد كشفت الانتخابات الأميركية عن تحولات لافتة في اتجاهات الناخبين، وظهرت أصوات معارضة للدعم غير المشروط لإسرائيل وللحروب التي تخوضها في المنطقة، ولم تعد هذه المعارضة مقتصرة على المسلمين والعرب، بل امتدت إلى بعض الشخصيات السياسية والنواب اليهود في الولايات المتحدة، كما برزت اختلافات في مواقف شخصيات أمريكية، مثل جي دي فانس وماركو روبيو، تجاه إسرائيل والحروب الإقليمية، وهذه التحولات مهمة، لأن إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على الموقف الأمريكي، كما أن بعض القوى السياسية في لبنان والمنطقة تبني حساباتها على طبيعة هذا الموقف.

لكن تراجع الدعم الأمريكي لا يعني بالضرورة زوال إسرائيل مباشرة، فنحن نؤمن بأصل زوالها، ونرى أن ذلك من الأحداث المتصلة بآخر الزمان، لكن تبقى أسئلة لا نملك إجابات قطعية عنها: كيف سيحدث هذا الزوال؟ ومتى؟ وأين تبدأ أحداثه؟ ومن الذي يحققه؟ وما نطرحه في هذه المسائل هو اجتهاد في فهم النصوص والوقائع، وليس علمًا بالغيب أو أحكامًا قطعية.

علامات الساعة بين النص والاجتهاد:

من الضروري أن نفهم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى يحدث كذا” لا يعني أن الساعة ستقوم بعد وقوع ذلك الحدث بوقت قصير، فقد يقع الحدث وتمضي بعده سنوات أو عقود أو قرون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “بُعثت أنا والساعة كهاتين”، ومع ذلك مضى على بعثته أكثر من أربعة عشر قرنًا، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأحداث كثيرة تقع بعد وفاته، فحفظ بعضهم ما سمع ونسي بعضهم، كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، ومن هذه الأحداث فتح بيت المقدس وظهور الفتن وغيرها من الوقائع التي تحققت في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي، وهذا يؤكد ضرورة التمييز بين الإخبار بوقوع حدث في المستقبل، وبين تحديد موعد قيام الساعة، وتنقسم علامات الساعة، من حيث طبيعتها وظهورها، إلى صغرى ووسطى وكبرى، فمن العلامات الصغرى ما وقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما ظهر في عصور لاحقة، ومنها ما يتكرر ظهوره، كظهور بعض المظاهر الاجتماعية التي وردت في الأحاديث، ومنها النساء الكاسيات العاريات.

ومن الأحداث التي يمكن وصفها بالوسطى فتح القسطنطينية، الذي تحقق سنة 1453م على يد السلطان محمد الفاتح، بعد محاولات امتدت قرونًا، منذ العصور الإسلامية الأولى، وهذا مثال على أن بعض الأحداث التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم قد تتأخر قرونًا قبل أن تتحقق، وقد ورد كذلك ذكر فتح روما، ولا نعلم متى يقع ذلك، والله أعلم.

وفي هذا الإطار نضع زوال إسرائيل، وفق فهمنا واجتهادنا، باعتباره حدثًا ننتظر وقوعه، من غير أن ندّعي معرفة موعده أو كيفية حدوثه.

ظهور الإمام المهدي:

ومن الأحداث المهمة التي تسبق العلامات العشر الكبرى ظهور الإمام المهدي، ونحن نؤمن بظهور رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، اسمه محمد بن عبد الله، ومن نسل الحسن بن علي رضي الله عنهما على الأرجح، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما مُلئت ظلمًا وجورًا.

وتذكر الروايات أنه يُبايع بين الركن والمقام، وأنه يُعطى المال فيحثيه حثيًا ولا يعدّه عدًّا، وأن مدة حكمه تكون سبع سنين أو تسعًا، بحسب اختلاف الروايات، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن أحاديث المهدي متواترة بالمعنى، وينبغي التمييز بين اعتقاد أهل السنة بظهور المهدي في آخر الزمان، وبين اعتقاد الشيعة الإمامية بالمهدي المنتظر، وهو الإمام محمد بن الحسن العسكري الذي يعتقدون أنه دخل في الغيبة منذ سنة 260هـ، ولا يزال حيًا إلى اليوم، ونحن لا نتبنى هذا التصور، مع احترامنا لإخواننا واختلافنا معهم في هذه المسألة، وعدم جعل الخلاف سببًا للعداء، كما أن المهدي، وفق هذا التقسيم، ليس من العلامات العشر الكبرى، بل يسبق ظهورها.

العلامات العشر الكبرى:

أما العلامات العشر الكبرى، فقد ورد ذكرها في الحديث الذي رواه حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه، ومن أبرزها:

1- خروج المسيح الدجال: وهو أعظم فتنة تقع على وجه الأرض، يدّعي الألوهية، ويبتلي الله الناس به ابتلاءً عظيمًا، ويمكث في الأرض أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيام الناس.

2- نزول عيسى ابن مريم عليه السلام: فيقتل الدجال، ويحكم بالعدل، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتعمّ في زمانه العدالة والأمن، وقد تحدث القرآن الكريم عن إيمان أهل الكتاب بعيسى عليه السلام، وعن كونه علامة للساعة.

3- خروج يأجوج ومأجوج: وهم أقوام يفسدون في الأرض، ويبلغ خطرهم مبلغًا عظيمًا، حتى يهلكهم الله بداء يصيب أعناقهم، وقد ورد في بعض الروايات وصفه بالنغف، أما تحديد هويتهم ومكانهم وربطهم بأقوام معينين، فلا يصح الجزم به من دون دليل.

4- الخسف بالمشرق.

5- الخسف بالمغرب.

6- الخسف بجزيرة العرب.

7- خروج دابة الأرض: التي تكلّم الناس، كما ورد في القرآن الكريم.

8- طلوع الشمس من مغربها: وعند وقوع ذلك يُغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.

9- الدخان: الذي ورد ذكره في سورة الدخان، وينبغي التفريق بينه وبين الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان.

10- النار التي تخرج من جهة اليمن: وتحشر الناس إلى أرض المحشر.

وهذا الترتيب هو ترتيب اجتهادي في جمع الروايات وفهمها، وليس ترتيبًا تفصيليًا متفقًا عليه في جميع العلامات، والمهم أن ندرك أن علامات الساعة ليست كلها في مرتبة واحدة، فمنها ما وقع، ومنها ما تأخر قرونًا، ومنها العلامات الكبرى التي لم تقع بعد.

موعد الساعة والتنبؤات البشرية:

وقد تكررت عبر التاريخ التنبؤات بقرب نهاية العالم، ومن ذلك ما نُسب إلى عالم جيولوجي يُدعى ميشيل تقلا، قيل إنه تنبأ بأن نهاية العالم ستكون في الثالث عشر من تشرين الثاني عام 2026، استنادًا إلى تصورات تتعلق بأشعة الشمس والانفجارات والتغيرات الكونية، كما نُسبت إلى علماء آخرين، ومنهم عالم ياباني، أقوال مشابهة، لكن مثل هذه التنبؤات لا يجوز اعتمادها من دون دليل موثوق، فموعد الساعة لا يعلمه إلا الله، ولا يصح ربط الإيمان بعلاماتها بحسابات بشرية أو توقعات غير ثابتة، ولو بدأت غدًا أحداث كبرى، فإن المدة التي تفصلنا عن قيام الساعة تبقى من علم الله وحده.

كيف يمكن أن يحدث زوال إسرائيل؟:

بحسب اجتهادنا، فإن زوال إسرائيل قد لا يكون بالصواريخ والدبابات والجيوش والمقاومة وحدها، على الرغم من تأييدنا للمقاومة ودعمنا لها، فقد تكون هناك عوامل أخرى تسهم في هذا المسار، ومنها احتمال انكشاف حقائق وأسرار يخفيها بعض اليهود، أو ظهور شخصيات من داخل المجتمع الإسرائيلي تعلن أمورًا تتصل بمصيره، وقد أشار القرآن الكريم إلى إخفاء بعض أهل الكتاب للحقائق، فقال تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (الأنعام: 91).

ومن الروايات التي سبق أن تحدثنا عنها أن حاخامًا أخبر رجلًا من بلدة ميس الجبل، في ثلاثينيات القرن الماضي، عن ثلاث حروب ستقع في المنطقة، وتحدث عن أعوام 1948 و1967 و1982، وأشار، بحسب الرواية المنقولة، إلى وصول الجيش الإسرائيلي إلى قرية السلطان يعقوب في البقاع، وقد تداولنا هذه الرواية مع السيد حسن نصر الله رحمه الله، لما تتضمنه من تفاصيل لافتة، ولا سيما أن الجيش الإسرائيلي وصل بالفعل إلى منطقة السلطان يعقوب خلال حرب عام 1982، ووقعت هناك معركة تكبّد فيها خسائر، ومع ذلك، تبقى هذه الرواية بحاجة إلى التثبت والتحقيق، ولا يصح التسليم بصحة جميع تفاصيلها.

ومن الاحتمالات التي نطرحها أن يظهر في المستقبل حاخام أو غيره ليعلن أن مرحلة زوال إسرائيل قد بدأت، أو أن حقائق كانت مخفية قد انكشفت، وقد يؤدي مثل هذا الأمر إلى انهيار معنوي وسياسي، وربما إلى فرار أعداد من الإسرائيليين، وعندئذ يمكن أن نفهم في سياق الأحداث ما ورد في الأحاديث عن كلام الحجر والشجر، الذي نؤمن بأنه يقع حقيقة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شاع أيضًا الحديث عن أن عمر إسرائيل سيكون ثمانين سنة، وبحسب هذا الحساب لم يبقَ إلا نحو عامين، لكن ذلك لا يثبت موعدًا قطعيًا لزوالها، فنحن لا نعلم متى يحدث الزوال، ولا كيفيته، ولا الجهة التي تحققه، إنما نؤكد أصل اعتقادنا بزوال إسرائيل، ونترك تفاصيل التوقيت والكيفية في دائرة الاجتهاد.

التحولات الأميركية ومستقبل إسرائيل:

لا يمكن فهم مستقبل إسرائيل من دون النظر إلى طبيعة الدعم الأمريكي الذي يشكل أحد أهم مصادر قوتها، ففي عام 1991، بعد حرب الخليج وتدمير العراق، طلب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب من إسرائيل الدخول في مفاوضات مع العرب، وأعلن أنه لن يقدم لها ضمانات القروض التي بلغت عشرة مليارات دولار قبل استجابتها لهذا الطلب، تأملوا الفرق بين ذلك الموقف والمواقف الأميركية الراهنة، ففي ذلك الوقت كان الرئيس الأمريكي مستعدًا للضغط على إسرائيل حتى تقبل مجرد التفاوض، بينما ظهرت في السنوات الأخيرة أصوات سياسية وشعبية تنتقد الدعم غير المشروط لها، وتعترض على الحروب التي تخوضها وعلى كلفتها، وهذا التحول مهم، لأن إسرائيل تعتمد على الدعم الخارجي، وليس على قوتها الذاتية وحدها، لكن تراجع هذا الدعم لا يعني أن زوالها أصبح وشيكًا بالضرورة، بل هو عامل من عوامل التحول التي ينبغي قراءتها ضمن مشهد أوسع.

أما عربيًا وإسلاميًا، فلا تزال الانقسامات والخلافات تشكل عائقًا أمام بناء موقف موحد، وإيران، التي تمثل طرفًا أساسيًا في مواجهة المشروع الصهيوني، تواجه الحصار والضغوط والخلافات المذهبية والقومية المحيطة بها، ومع ذلك، يمكن القول إن فلسطين والمقاومة حققتا مكاسب سياسية ومعنوية مهمة في مواجهة الصهيونية وسياسات الإبادة، وإن كان النصر النهائي لم يتحقق بعد، وما زال الطريق إليه يحتاج إلى الصبر والعمل والثبات.

عند تبدل الدول والحكومات احفظ دينك:

إننا نعيش مرحلة تاريخية مفصلية، والفائز فيها هو من يتمسك بدينه ويحافظ على ثوابته، ولذلك نقول: عند تبدل الدول أو الحكومات احفظ دينك أيها المسلم، فلا تتأثر بكل ما يثار من ضجيج، ولا تنجرف وراء التوقعات المتسرعة والتحليلات المتناقضة، فقد كان بعض الناس يتحدثون عن اتفاق وشيك، وعن نهاية إيران، وعن حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر، ثم تبدلت التقديرات والمواقف وظهرت معطيات جديدة، وهذا يؤكد أن المشهد السياسي متغير، وأن ما يبدو محسومًا في لحظة قد يتبدل في لحظة أخرى، والسؤال الأهم ليس فقط ما الذي سيحدث، بل من يستطيع أن يحصد نتائج هذه التحولات، وأن يحولها إلى مكاسب حقيقية للأمة؟ إننا بحاجة إلى وعي سياسي وديني عميق، وإلى التمييز بين النصوص الشرعية والاجتهادات البشرية، وبين الوعد الإلهي والتوقعات السياسية، وبين القوة الإسرائيلية الظاهرة والدعم الخارجي الذي يمدها بأسباب البقاء، ولا يجوز أن ننسى أطفال غزة وبيوتها المدمرة، والقرى التي سُحقت، واليمن وما يتعرض له من مآسٍ، وإيران التي تواجه الحصار والضغوط، ونحن لا نوافق إخواننا في إيران على جميع اجتهاداتهم الفقهية والعقدية، لكننا نرى أن اجتهادهم السياسي في مواجهة الهيمنة الصهيونية والأميركية يستحق التقدير، وأن وعيهم السياسي في هذا المجال يفوق ما لدى كثير من الجهات الإسلامية.

لقد حقق محور المقاومة مكاسب مهمة في مواجهة المشروع الصهيوني، ونسأل الله أن يتم نوره، وأن يكتب لهذه الأمة الخير والنصر والفرج، وأن يثبت أهل فلسطين وغزة، ويرحم الشهداء، ويشفي الجرحى، ويرفع الظلم عن المظلومين، ويجمع كلمة المسلمين على الحق.

https://www.facebook.com/reel/1466186332318911