الأمن أمان الله

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 24 صفر 1448هـ الموافق له 7 اب 2026م

الأمن أمان الله

‏من أكبر الافتراءات التي تفتري على اللبنانيين ، زَعْمُ الزاعمين أنه في حال سلمّ حزب الله سلاحه، فإن لبنان سينعم بالأمان والسلام، إن هذه ا”لإشاعة” السياسية تعني أن من يروجها يثق كثيرا بوعود الإسرائيليين والأميركيين، فيما نرى في كل يوم ما يكذب كذبهم ودجلهم، هاهو الوفد اللبناني إلى روما، يُبلّغ رسميا من قبل الأميركيين والإسرائيليين بأن لا مناطق “تجريبية” جديدة حتى يتم تسليم سلاح حزب الله في كل لبنان، وليس فقط في جنوب النهر أو شماله، الرئيس متوتر مصدوم، ولكنه يعض على جرحه ولا يصرح بشيء.

‏ولكن رئيس الحكومة يتبرع بالرد على أمين عام حزب الله، ولا يرد على تصاريح الإسرائيليين التي يؤكدون من خلالها أنهم لن ينسحبوا، ولا يهمهم أن يرد على الخرق المزعوم لحزب الله في مجدل زون، رغم ان الجميع يعلم أن المكان الذي انفجر وتسبب في مقتل وجرح جنود إسرائيليين كان محتلا أصلا منذ فترة، وبالتأكيد لم يتسلل إليه مجاهدون حزب الله.

‏الرد فقط على تصاريح ومواقف حزب الله، فيما أن أي عاقل يعلم أن إسرائيل لا تحتاج إلى ذريعة لتنفيذ مخططاتها، لم يكن تدمير 13 طائرة في مطار بيروت أمرا متناسبا مع “تسلل” فدائي من خلال مطار بيروت لتنفيذ عملية في روما أو أثينا، ولم يكن إطلاق الرصاص على السفير الإسرائيلي في لندن ذريعة كافية للاجتياح الواسع، فلقد أعلن المجلس الثوري – أبو نضال – مسؤوليته عن هذه العملية أو ان كان هذا الإعلان غير مقنع، ولكن هذه كانت الذريعة، وهذه المجموعة منشقة عن منظمة التحرير.

‏لقد قلنا مرارا وتكرارا أن السلطة لو شاءت أن تتخذ من اعتداءات، إسرائيل مادة لتقوية موقفها، كان لها ذلك، ولكن لا نية على الإطلاق عند هذه السلط،ة يستطيعون لو شاؤوا أن يرفعوا الصوت عاليا في وجه تدمير القرى وجرفها وقتل المدنيين والبنى التحتية والابنية الرسمية والمسعفين والصحفيين والجنود والضباط اللبنانيين خلال أداء مهماتهم… الخ، واضح أنهم اتخذوا قرارا بالتسليم للمؤامرة الاسرائيلية – الاميركية مهما كانت قاسية ومهما اغرقت في الجرائم، وهذا لن يدوم لهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وجاء في الخطبة ما يلي:

تذكير رباني في سورتي الفيل وقريش:

سورتا الفيل وقريش فيهما تذكير بنعمتين عظيمتين من نعم الله تعالى: الإطعام من الجوع، والأمن من الخوف. قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾، لقد أنعم الله على قريش بالأمن، وألّف بين قلوبهم، ويسّر لهم رحلتي الشتاء والصيف، وحمى بيته الحرام من أصحاب الفيل. ومن معاني قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أن الله ألّف بينهم، وأنهم اعتادوا هذه النعمة حتى كادوا ينسون أنها من عند الله، والإنسان كثيرًا ما لا يعرف قيمة النعمة إلا بعد فقدها؛ ولذلك فإن الأمن نعمة عظيمة ينبغي أن نشكر الله عليها، وأن ندرك أنها ليست أمرًا مضمونًا دائمًا، وإنما هي فضل من الله تعالى.

وقد أرانا الله في قصة أصحاب الفيل كيف يمكن أن يجعل من أضعف الأشياء سببًا للنصر، فجعل الطير الأبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فتحولت تلك الحجارة الضعيفة في ظاهرها إلى سبب لهلاك جيش عظيم، وفي بدر، تحولت الحصى والرمل إلى سبب من أسباب النصر، وفي غزوة الأحزاب سخّر الله الريح، فالقوة الحقيقية ليست في الأسباب وحدها، وإنما في قدرة الله تعالى الذي يملك الأسباب والمسببات.

وقد بشّر النبي ﷺ أصحابه في أشد مراحل الاستضعاف بأن الأمن سيأتي، وأن الإنسان سيتمكن من السفر من صنعاء إلى الحيرة أو إلى البيت الحرام لا يخاف إلا الله، لكن النبي ﷺ قال لهم “ولكنكم قوم تستعجلون”… وهنا نفهم أن طريق الإيمان قد يمر بالخوف والابتلاء، ولكن المؤمن لا يفقد يقينه بالله.

والأمن الحقيقي ليس أمن الجسد والمكان فقط، بل هناك أمن داخلي، هو الطمأنينة التي يمنحها الإيمان، قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، فالمؤمن الواثق بربه مطمئن، حتى في أشد الظروف، لأنه يعلم أن كل ما يصيبه محسوب عند الله، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

إن ما يجري في لبنان وفلسطين يفرض علينا أن نسأل:  من أين يأتي الأمن؟ ومن الذي يضمنه؟ إن التعويل على الولايات المتحدة أو إسرائيل للحصول على الأمن هو تعويل على مصدر لم يثبت أنه يريد للبنان أو للمنطقة أمنًا حقيقيًا، وما يجري في غزة ولبنان يؤكد أن الاحتلال لا يتوقف عن العدوان بمجرد تقديم التنازلات أو التخلي عن عناصر القوة، وقد رأينا كيف استمرت الاعتداءات الإسرائيلية، وكيف جرى تدمير القرى والبنى التحتية واستهداف المدنيين والصحفيين والمسعفين، ثم جرى تحميل المقاومة مسؤولية ما يحدث، وكأن المعتدي يحتاج دائمًا إلى ذريعة ليشن عدوانه.

إن المطلوب هو ألا نسمح بتزييف الحقيقة، وألا نحمل المعتدى عليه مسؤولية اعتداء المعتدي، وما يجري اليوم يجب أن يُقرأ في سياق الصراع الطويل، لا باعتباره حادثًا منفصلًا أو نتيجة لحدث عابر، لقد علّمنا القرآن أن المؤمنين قد يرون الأحزاب تحيط بهم قبل أن يروا النصر. قال تعالى ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، فقد تأتي مرحلة الشدة قبل مرحلة الفرج، وقد يسبق الابتلاءُ النصرَ. ولذلك فإن واجب المؤمن هو الصبر والثبات وعدم الاستعجال، والثقة بوعد الله.

وفي الشأن الفلسطيني، إن تسليم الفلسطينيين أو المطلوبين إلى السلطة الفلسطينية المتعاونة مع الاحتلال، يمثل صورة من صور الخضوع، ويكشف عن مستوى خطير من التنازل عن الحقوق والكرامة الوطنية… أما في القضايا اللبنانية الداخلية، ومنها ملف انفجار المرفأ، فلا بد من الوصول إلى الحقيقة كاملة، وعدم الاكتفاء بمحاسبة من قصّر في أداء واجبه، بل البحث أيضًا في أصل القضية: من أرسل المواد الخطرة؟ ومن يملك السفينة؟ ومن يقف وراء إدخالها إلى لبنان؟ فالحقيقة الكاملة هي وحدها التي تحقق العدالة، ونحن على يقين ان الذي ارسل النيترات هو العدو الاسرائيلي.

إن الأمن نعمة عظيمة من نعم الله، لكنه لا يتحقق بالخوف من الأقوياء أو بالارتهان للآخرين، وإنما يبدأ بالإيمان بالله، وبالثبات، وبالعدل، وبحفظ الكرامة، وبالاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 7-8-2026:

https://www.facebook.com/reel/972012639181326