زخرف القول!

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

 بتاريخ 18 محرم 1447هـ الموافق له 3 تموز 2026م

زخرف القول!

‏لقد أكد لنا القرآن الكريم أن شياطين الإنس والجن يتوجهون إلى اتباعهم بكلام منمق جميل سماه (زخرف القول)، وأن هذا القول المنمق الجميل يقنع اتباع الشياطين فيستمعون إليه بكليتّهم وليس فقط بآذانهم، فيتبعون هذه الأكاذيب وينساقون معها دون تفكيرعميق، وكأنهم قطعان يساقون إلى الذبح في غاية السرور: ((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113)).

‏إن المقاومة هي خط الأنبياء فإنها تواجه الظلم والاحتلال والكفر بآيات الله، وفي المقابل إن اتفاق الإطار هو نتاج عمل شياطين الإنس، من الصهاينة والأميركان، ولا يحتوي على زخرف القول، لا يحتوي على كلام منمق وجميل، ولكنه مفضوح جدا لجهة الاستسلام للعدو وإهانة الجيش اللبناني، والكذب من خلال الحديث عن انسحاب من أراض لم تحتل أيضا، ومن خلال الوقاحة الأكبر، وهي امتناع لبنان عن رفع أي دعوى ضد إسرائيل، ومع أن هذا الاتفاق السخيف المفضوح لا يحتوي على زخرف القول، ومع ذلك وجدنا ثمة من يصفق لهذا (الاتفاق الإطار) في لبنان، ويزينونه في عيون اللبنانيين ويتهمون معارضيه بأنهم ضد السيادة وبناء الدولة وغير ذلك، رغم أنه هو الذي يناقض أبسط مبادئ السيادة وبناء الدولة وكل الشعارات المرافقة.

زخرف القول وسقوط دعاوى الاستسلام:

يخبرنا القرآن أن أعداء الأنبياء يحتاجون دائمًا إلى زخرف القول؛ إلى الكلمات المنمقة والشعارات البراقة التي تخدع الناس وتزين لهم الباطل… أما اليوم، فإن بعض المشاريع المطروحة لم تعد تحتاج حتى إلى زخرف القول، لأنها أصبحت تعلن الاستسلام صراحة، وتقدم التنازلات بوضوح، دون حياء ولا مواربة.

إن الحديث عن اتفاقات تُسوَّق على أنها إنجازات، بينما لا تحقق سيادةً حقيقية، ولا توقف العدوان، ولا تضمن انسحابًا كاملاً، ليس إلا صورةً من صور التضليل السياسي، بل إن بعضهم يصفق لما هو أقل من ذلك، ويقدم من التنازلات ما لم يطلبه العدو نفسه.

تغيير الفطرة من أعظم مكائد الشيطان:

ويقول سبحانه في موضع آخر: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا ۝ لَعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ۝ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (سورة النساء: 117-119)، كان المشركون يخصّصون بعض الأنعام لآلهتهم المزعومة، فيشقون آذانها علامةً على أنها محرّمة على الناس، يتقربون بها إلى أصنامهم، فجاء الإسلام فأبطل هذه الخرافات.

وقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (سورة المائدة: 103)، ومن صور إضلال الشيطان كذلك السعي إلى تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، سواء في الهيئة أو السلوك أو الأدوار التي جعلها الله للرجل والمرأة، أو في كل ما يشوه خلق الله ويبدل سننه، اتباعاً للأهواء والشهوات، وهذه كلها صور من تنفيذ وعد الشيطان حين قال : ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾.

ألف يوم من المجازر… والعدوان مستمر:

لقد مضى ما يقارب ألف يوم على المجازر المتواصلة في غزة، وإن ما أصاب لبنان من حرب ودمار وتهجير ونزوح قد شغلنا زمناً عن متابعة ما يجري هناك، إلا أن المأساة الفلسطينية لم تتوقف، فما زالت آلة القتل والاغتيال والحصار تعمل دون هوادة، ومن المفارقات أن الذين يهللون لبعض الاتفاقات يزعمون أنها ستصنع السلام، بينما الوقائع تكذب هذه الادعاءات.

لقد سُئل أحد المؤيدين لهذه الاتفاقات: متى سيُنفَّذ الاتفاق الذي تتحدثون عنه؟ فقيل له: بعد تنفيذ الاتفاق الخاص بغزة… ولكن ماذا نُفِّذ من اتفاق غزة؟ لم يدخل الغذاء إلا بالنزر اليسير الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولم تُنفذ المراحل المتفق عليها، واستمر الحصار والقتل والتدمير، بل بقي نزع سلاح المقاومة شرطاً يردده الاحتلال، كما يُطرح الشرط نفسه في لبنان، وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في وجود المقاومة، وإنما في إرادة الاحتلال إخضاع الأمة وإلغاء كل أسباب قوتها.

غزة تقدم نموذجاً خالداً في الصبر والإيمان:

ومع كل ما أصاب أهل غزة من جوع وتشريد، وما يعيشونه في الخيام، فإنهم يقدمون نموذجاً استثنائياً في الثبات والإيمان، نراهم يقيمون حلقات ودورات لتحفيظ القرآن الكريم، ويربون أبناءهم على معاني الصبر والجهاد، ويتمسكون بقضيتهم رغم هول المصائب، وهذا يذكرنا بوعد الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة التوبة: 120)، فإن هذه التضحيات العظيمة لن تذهب هدراً، وإنما هي محفوظة عند الله سبحانه وتعالى.

وعي الشعب الفلسطيني وثباته:

ومن الأمور اللافتة أن الشعب الفلسطيني، رغم كل ما تعرض له من قتل وتجويع وتشريد، لم تنشأ فيه حركة شعبية حقيقية تحمل مشروعاً لمواجهة المقاومة أو تحميلها مسؤولية ما يجري، بل بقي الالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة واضحاً، على الرغم من حجم المعاناة والآلام، وهذه الحقيقة تستحق التأمل، لأنها تكشف مقدار الوعي الذي يملكه هذا الشعب، وإدراكه لطبيعة الصراع الذي يخوضه.

الإنصاف يقتضي رؤية الصورة كاملة:

وفي كل القضايا التي تعيشها منطقتنا ينبغي أن يكون ميزاننا هو العدل والإنصاف، فلا يجوز أن ننظر إلى جزء من المشهد ونتجاهل بقية أجزائه، أو أن نكيل بمكيالين في الحكم على الأحداث.

إن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ الوقائع كلها، وأن تُعرف أسبابها وظروفها، وألا يخدع الإنسان بالدعاية الإعلامية أو بالشعارات التي تُصاغ لإخفاء الحقائق، ولذلك كان القرآن يحذرنا من زخرف القول الذي يلبس الباطل ثوب الحق، ويجعل الإنسان ينجذب إلى الشعارات دون أن يتبين حقيقتها.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 3-7-2026: https://www.facebook.com/reel/2490847511388629