‏تحت السقف الاميركي

        بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 23 محرم 1447هـ الموافق له 18 تموز 2025م

تحت السقف الاميركي

مما يخفف آلامنا ممن نراه في أمتنا، وقد وصلت إلى الحضيض، والله اعلم، إن كل ما نعانيه قد ذُكر بشكل أو بآخر في الأحاديث النبوية: نعم نحن خير أمة ولكن بشرط الإيمان بالله والامر بالمعروف والنهي على المنكر: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)) (آل عمران).

وهذا لم يحصل منذ أمد بعيد، منذ أن بدأت أمتنا تتدحرج وتهبط إلى الأدنى وتتخلى عن الدين بشكل أو بآخر، نتحدث هنا عن الدين بالمعنى الجماعي وليس بالمعنى الفردي.

نعيد إلى الأذهان حديث حذيفة بن اليمان : (كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا في جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بهذا الخَيْرِ، فَهلْ بَعْدَ هذا الخَيْرِ شَرٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقُلتُ: هلْ بَعْدَ ذلكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلتُ: وَما دَخَنُهُ؟ قالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بغيرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ منهمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلتُ: هلْ بَعْدَ ذلكَ الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ علَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَن أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قالَ: نَعَمْ، قَوْمٌ مِن جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فَما تَرَى إنْ أَدْرَكَنِي ذلكَ؟ قالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإمَامَهُمْ، فَقُلتُ: فإنْ لَمْ تَكُنْ لهمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إمَامٌ؟ قالَ: فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، ولو أَنْ تَعَضَّ علَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ علَى ذلكَ.) (رواه مسلم الرقم: 1847).

ما يعنينا من هذا الحديث الآن هو الفقرة الاخيرة، التي لم نصل اليها ونرجو الا نصل اليها: ان يصبح احدنا عاجزاً عن اداء واجباته الدينية، وعليه عندئذ ان يعتزل المجتمع وان ينتظر الموت بعيداً عن الفتن، على المستوى الفردي، ديننا محفوظ، وتتم ممارسته والحمدلله، أما على المستوى السياسي، اي على مستوى الامة وانظمة الحكم، فان الامة الاسلامية كلها الا القليل الذين لا يقاس عليه، كلها تحت النفوذ الاميركي ومن ضمنه الصهيوني.

حذيفة كان موضع سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الوحيد الذي أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسماء اثني عشر منافقا همّوا باغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أثر عودته من غزوة تبوك.

نحن لم نصل إلى مرحلة أن نعتزل المجتمع كله خوفاً على الدين، ولعل ذلك لن يحصل، ولكن الصورة اليوم هي أسوأ ما يمكن ان نتصوره لماذا ؟:

لان الصراع الدامي، والمجازر، والسلاح، والاقتحامات، والانسحابات، والنداءات العشائرية، وما إلى ذلك، وكل ما يحصل في سوريا الآن، كل ذلك تم ويتم تحت السقف الأمريكي، ومن ضمنه الصهيوني، انها من أسوأ المراحل التي مرت بها أمتنا، وحيث ضاعت الحقيقة واختلطت الاهداف، وازدادت أمتنا وتزداد بُعدا عن الصفات العظيمة التي أرادها الله لنا:

أولا: النظام الانتقالي الذي يترأسه الرئيس أحمد الشرع، إنما جاء بتوافق تركي قطري إقليمي تحت سقف الخطط الأمريكية المرسومة لمنطقتنا، ولقد كان نتيجة لمقاولة بين الاتراك بشكل رئيسي والاميركان.

ثانيا: الإعلان المبكر لفريق من جبل العرب بأنهم يريدون الحماية الإسرائيلية، حتى ما قبل أحداث جرمانا، يدل على إنخراط إسرائيلي مبكر في القضية السورية الراهنة، يمثل هذا الاتجاه بشكل واضح الشيخ حكمت الهجري ويعارضه فريق وازن يعبر عنه الشيخ الجربوع .

ثالثا: التدخل السريع الإسرائيلي والتهديد العلني والقصف على دمشق وعلى وزارة الدفاع بالذات، يدل بشكل واضح أن الهدف الإسرائيلي هو أبعد بكثير من حماية الدروز كما تدّعي.

رابعا: ان حماية الدروز هي آخر اهتمامات اسرائيل، وليس تدخلهم الا ذريعة لتحقق اهدافها الاستراتيجية.

خامساً: ان امكانية اختراق المخابرات الاسرائيلية لقوى الامن التابعة للحكم الانتقالي، امكانية كبيرة، وبالتالي فان ما ارتكب من اجرام واهانات بحق اهل السويداء، قد يكون على ايدي عناصر مزروعة من اجل ان تثير ردة الفعل العشائرية الواسعة، كما ان هذه العناصر لم تتلق الثقافة الاسلامية السليمة، انهم بغالبيتهم قد تخرجوا من الاجواء الموبوءة التي اخرجت داعش والنصرة وغيرهما… ونفس الامر ينطبق على الفريق الآخر بشكل او بآخر، ويصبح الجميع ازاء هذا الاحتمال الكبير وكأنهم احجار شطرنج يحركها الصهيوني، من خلال الفعل وردة الفعل، احجار شطرنج على رقعة يتحكم بها الصهيوني كيف يشاء.

 

‏ماذا تريد إسرائيل:

من الواضح، والله اعلم، أن الهدف الإسرائيلي هو أبعد من حماية الدروز، الهدف الأولي أن ترسل رسالة للجميع وعلى رأسهم الراعي الأمريكي، أنها هي التي تحدد خريطة المنطقة وتفرض التوازنات، ومهما كانت أمريكا حريصة على مصلحة الكيان الصهيوني، تبقى إسرائيل أقدر من الحليف الراعي ومن الجميع على تحديد مصلحتها التي تقتضي تقسيم سوريا، على الأساس الذي تحدث عنه بن غوريون منذ التأسيس، وحدد دولتين ينبغي أن تقسما حتى تضمن “إسرائيل” امنها المزعوم: سوريا والعراق. وهذا التقسيم يقتضي ألا تكون هناك دولة مركزية قوية في دمشق مهما كانت ارتباطاتها، وبالتالي تجرأت اسرائيل على هذه الضربات الوقحة التي تخالف حتى الرغبة الاميركية.

اننا نرجو ان تكون هذه هي القمة في العلو والفساد التي سيصل اليها العدو الصهيوني، وفقاً للآية الكربيمة (… وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)) (الاسراء)، لتأتي بعدها المرحلة ما قبل الاخيرة، وهي (… وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)) (الاسراء).

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 18-7-2025:

https://www.facebook.com/shekh.maherhammoud/videos/1071564234532238