بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 14 ربيع الآخر 1448هـ الموافق له 25 ايلول 2026م
اصحاب الاخدود
قصة في القرآن الكريم في سورة البروج، في جزء عم، تلخص قصة حصلت في نجران في اليمن، قبل ولادة رسول الله ﷺ بـ 49 سنة، اي في العام 523م، وملخصها ان حاكماً قتل اهل النجران لانهم فضلوا النصرانية على دينه، ومع ذلك اعتبر الله ذلك (الفوز الكبير)… وكأن العبرة الرئيسية من القصة والسورة الكريمة، ان الموت على عقيدة سليمة فوز كبير وليس هزيمة، مما يؤكد، اذا جاز التعبير، ان الحديث عن موت كربلائي في مواجهة الصهاينة هو توجيه قرآني وليس بدعة مذهبية، او موقعاً جزئياً خاصة بجبهة معينة.
ان الصهيونية ليست فقط احتلالاً او ظلما او ابادة فقط، بل هي حرب على العقيدة والانتماء وكل القيم الانسانية.
ــــــــــــــــــــــــــ
وورد في الخطبة ما يلي:
أصحاب الأخدود والثبات على الحق:
إن الموعظة هنا ليست أن المؤمنين ماتوا فحسب، وإنما أن الله تعالى خلّد قصتهم في كتابه، فقد مات أصحاب الأخدود، ومات الغلام، ولكن بقيت قصتهم تتلى على ألسنة المسلمين إلى يوم القيامة، وهنا يبرز السؤال: أين العبرة إذا كان أهل الحق قد قُتلوا؟ العبرة هي أن الإنسان قد يخسر حياته، ولكنه لا يخسر الحق الذي مات من أجله، وأن التضحية في سبيل العقيدة والمبدأ قد تتحول إلى رسالة تتجاوز صاحبها وتبقى بعد موته أجيالًا طويلة، ولهذا فإن قصة أصحاب الأخدود دعوة إلى الثبات، وإلى ألا يبيع الإنسان دينه ومبادئه من أجل مصلحة دنيوية، مهما كان الثمن… ومن هذا المنطلق، يرى بعض المسلمين أن قصة أصحاب الأخدود تحمل دلالات على واقع الصراعات المعاصرة، ولا سيما القضية الفلسطينية وما يجري في غزة، وأن مقاومة الاحتلال والدفاع عن الأرض والكرامة يمكن أن تُفهم في إطار الثبات على الحق ورفض الظلم.
أما القضية التي لا خلاف عليها في أصلها، فهي أن الإسلام يدعو إلى العدل، ورفض الظلم، ونصرة المظلوم، والثبات على الحق، وعدم بيع الدين بالمصالح الدنيوية.
بين المقاومة والاتهامات:
من المؤلم أن يتحول النقاش في واقعنا العربي والإسلامي إلى اتهام المقاومة بأنها وحدها سبب الدمار والتهجير، من دون النظر إلى مجمل الظروف والأحداث التي أدت إلى الحرب، ولا يصح تجاهل حجم الخسائر البشرية والمادية التي تصيب المدنيين، ولا ينبغي أن تصبح معاناة الناس مادة للتجاذب السياسي.
إن القضية الفلسطينية ليست قضية فئة واحدة، بل قضية تتعلق بالاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني، وبالعدوان والحرب والتهجير والاستيطان، وهي مسائل تستوجب قراءة الوقائع بدقة، ومساءلة جميع الأطراف عن أفعالها، كما أن الحديث عن إسرائيل لا ينبغي أن يتحول إلى تعميم ديني على اليهود جميعًا، فهناك يهود وإسرائيليون أعلنوا مواقف مختلفة تجاه الحرب والسياسات الإسرائيلية، كما أن نقد الصهيونية أو الحكومة الإسرائيلية ينبغي أن يظل منفصلًا عن الكراهية الدينية أو العرقية.
الموقف من الخطاب الديني والسياسي:
ومن المؤسف كذلك أن بعض الخطاب الديني يتعامل مع قضايا العالم الإسلامي بانتقائية، فيُدين اعتداءً ويتجاهل اعتداءً آخر، أو يجعل مواقفه مرتبطة بالمواقف السياسية للدول والأنظمة.. إن المنبر الديني ينبغي أن يكون منبرًا للحق والعدل، لا منبرًا لتبرير الظلم أو الدفاع عن مصالح سياسية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135)، والعدل يقتضي ألا نكيل بمكيالين، وألا نعتبر المقاومة جريمة لمجرد أنها مقاومة، ولا أن نبرر كل فعل يصدر عنها لمجرد أننا نؤيد قضيتها.
لبنان والجيش والسيادة:
وفي لبنان، ينبغي التفريق بين الجيش اللبناني وبين السلطة السياسية التي تتخذ القرارات باسمه أو في ما يتعلق بدوره.. فالجيش مؤسسة وطنية لها احترامها، والانتقاد ينبغي أن يتوجه إلى السياسات والقرارات التي تحد من قدرته أو تمنعه من أداء دوره، إذا ثبت ذلك، لا إلى الجنود والضباط الذين يؤدون واجبهم.
كما أن مسألة السيادة اللبنانية ينبغي أن تكون مبدأ ثابتًا، لا شعارًا يُرفع في مواجهة طرف ويُهمل في مواجهة طرف آخر، فالسيادة تعني رفض أي تدخل خارجي يفرض على لبنان قراراته، سواء جاء هذا التدخل من إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أي دولة إقليمية أو دولية أخرى، فإن أي مفاوضات تتعلق بمصير لبنان وأمنه وحدوده يجب أن تكون قائمة على حماية المصلحة الوطنية اللبنانية، وعلى معرفة دقيقة بموازين القوى والحقوق والالتزامات، لا على الإملاءات الخارجية.
لقد علّمنا القرآن من خلال قصة أصحاب الأخدود أن القوة المادية ليست هي المعيار الوحيد للانتصار، فقد امتلك الملك النار والجنود والسلطة، بينما لم يمتلك المؤمنون إلا إيمانهم وثباتهم، ومع ذلك بقيت قصة المؤمنين، بينما أصبح الملك نفسه رمزًا للظلم.
فالدرس الذي ينبغي أن يبقى في أذهاننا هو أن الثبات على الحق لا يعني غياب الألم، ولا يعني أن الطريق بلا تضحيات، وإنما يعني ألا يتحول الخوف من الخسارة إلى سبب للتخلي عن المبادئ، وإذا أردنا أن نقرأ واقعنا المعاصر في ضوء هذه السورة، فعلينا أن نتمسك بالحق والعدل، وأن نرفض الظلم والاحتلال، وأن ننصر المظلوم، وأن نكون في الوقت نفسه مسؤولين عن الدماء والأرواح والدمار، لأن حفظ حياة الإنسان وكرامته من أعظم مقاصد الشريعة.
بين المقاومة والسيادة: ذاكرة العلاقة بين القوات اللبنانية وإسرائيل:
لا شك في أن جزءًا كبيرًا من الإعلام اللبناني يتأثر بالتمويل والتوجيه السياسي، وهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الأدلة لإثباته. والمؤلم اليوم أن هناك حملة حقيقية تسعى إلى المساواة بين المقاومة الإسلامية في لبنان وبين القوات اللبنانية، بل إن بعض الخطاب الإعلامي والسياسي يبدو وكأنه يفضّل تجربة القوات اللبنانية ويمنحها صفة “المقاومة اللبنانية”، ويزداد الأمر غرابة عندما نسمع بعض السياسيين يقولون: “نحن ضد كل احتلال، ونحن سياديون، ونرفض الاحتلال الإسرائيلي والسوري والإيراني”، وهنا يحق لنا أن نسأل: أين كان هذا الموقف من الاحتلال الإسرائيلي؟ فالتاريخ يتضمن وقائع وصورًا ووثائق عن العلاقة التي نشأت بين قيادة القوات اللبنانية وإسرائيل خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ومن أشهر الصور المتداولة صورة بشير الجميل مع أرييل شارون في غرفة عمليات تطل على بيروت، وهي صورة توثّق جانبًا من تلك العلاقة، ولا يتعلق الأمر بصورة واحدة فقط، بل توجد شهادات ووثائق وكتب تناولت طبيعة العلاقات بين الطرفين.
ومن الكتب التي استُشهد بها في هذا السياق كتاب “أسرار لبنان” للكاتب الفرنسي آلان مينارغ، الذي اعتمد، بحسب ما يذكر في كتابه، على وثائق مرتبطة بالقوات اللبنانية وصلت إليه في فرنسا، وتكتسب هذه الوثائق أهميتها من كونها تتناول اتصالات وعلاقات سياسية وعسكرية كانت قائمة في تلك المرحلة.
ومن الوقائع التي يكثر الاستشهاد بها ما جرى في اللقاءات بين بشير الجميل والمسؤولين الإسرائيليين بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية اللبنانية عام 1982، وتُنسب إلى بشير الجميل، في هذا السياق، مواقف تشير إلى أنه لم يكن مستعدًا للإقدام على خطوة فورية تجاه إسرائيل، مراعاةً للظروف اللبنانية والعربية، ولا سيما أوضاع اللبنانيين العاملين في دول الخليج.
وبغض النظر عن اختلاف الروايات في تفاصيل تلك اللقاءات، فإن الثابت تاريخيًا أن علاقة وثيقة نشأت بين إسرائيل وقيادات من القوى اللبنانية خلال الحرب الأهلية، وأن هذه العلاقة كانت جزءًا من المشهد الإقليمي المعقد الذي رافق الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: كيف يمكن لمن ارتبط في مرحلة من المراحل بعلاقة سياسية أو عسكرية مع قوة احتلال، أن يقدم نفسه اليوم بوصفه الممثل الحصري لفكرة السيادة ورفض الاحتلال، وأن يضع نفسه في الموقع ذاته مع من قاتل الاحتلال الإسرائيلي؟
إن قراءة التاريخ لا تعني تجاهل الحاضر، كما أن تقييم المواقف الحالية ينبغي ألا يكون منفصلًا عن الوقائع التاريخية الموثقة.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 25-9-2026:
https://www.facebook.com/reel/2216748835555635

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ماهر حمود