المشهد العام، لسنا في حالة تراجع

    بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 29 ربيع الاول 1448هـ الموافق له 11 ايلول 2026م

المشهد العام، لسنا في حالة تراجع

‏‏‏لقد هزم جيش على رأسه محمد ﷺ، في غزوة أُحد، كما اضطر جيش المسلمين في غزوة مؤتة ان ينسحب، كما هزم جيش المسلمين في اول غزوة حنين ثم انتصروا.

ماذا نتعلم من ذلك في واقعنا اليوم؟:

إذا اضطرت المقاومة اليوم إلى التراجع أو إعادة الانتشار، فهل يعني ذلك أنها انتهت؟ ليس بالضرورة، إن قراءة التاريخ والسيرة تعلمنا أن التراجع في معركة لا يعني نهاية الصراع، وأن الخسارة في مرحلة لا تعني بالضرورة الهزيمة النهائية، وقد شهدنا في واقعنا المعاصر اعتداءات واسعة طالت البيوت والمدنيين والمدارس والبلديات ومراكز الدفاع المدني والقرى، وسقط ضحايا من العائلات والأطباء وغيرهم، لكن لا ينبغي أن نخلط بين حجم الدمار والخسائر الإنسانية، وبين تحقيق الهدف العسكري المباشر، فقد يكون الطرف الأقوى عسكريًا قادرًا على إيقاع أذى بالغ بالمدنيين، لكنه لا يحقق بالضرورة أهدافه السياسية والعسكرية النهائية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۝ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، إن المواجهة المباشرة قد تكون مختلفة عن استهداف المدنيين والبيوت والقرى؛ ولذلك فإن قراءة المشهد ينبغي أن تكون قراءة شاملة، لا أن تُبنى على الضجيج الإعلامي وحده.

خطورة تحويل الصراع إلى صراع مذهبي:

ومن المؤسف أن نسمع في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية حديثًا عن أن ما يجري هو انتصار للسنة على الشيعة، وكأن الصراع الدائر صراع مذهبي بين المسلمين، وهذا اختزال خطير للمشهد، فالإسلام لا يُختزل في أنظمة سياسية، ولا في تحالفات دولية، ولا في الدفاع عن العروش والمصالح الدنيوية، والسنة النبوية ليست شعارًا سياسيًا يُرفع في مواجهة المسلمين بعضهم ببعض، بل هي اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصرة للحق، وإقامة للعدل، ومواجهة للعدوان، ومن الخطأ أن يتحول الخلاف السياسي إلى فتنة مذهبية، وأن يُستغل اسم السنة أو الشيعة لتبرير مواقف تخدم القوى الأجنبية أو المصالح السياسية.

اليمن وفلسطين:

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى اليمن، وإلى ما يجري في فلسطين، لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية”، وقد أصبح اليمن طرفًا حاضرًا في مواجهة الاعتداء على غزة، وفي الضغط على من يدعم الاحتلال، ولذلك فإن اختزال ما يجري في اليمن بأنه مجرد صراع مذهبي لا يعبّر عن حقيقة المشهد بكل أبعاده، كما أن التاريخ اليمني حافل بالمواقف والأحداث التي تؤكد أهمية هذا البلد في المنطقة، ومن ذلك مدينة المخا، التي ارتبط اسمها تاريخيًا بتصدير البن إلى العالم، حتى أصبح اسم (موكا) معروفًا في لغات كثيرة نسبة إلى الميناء اليمني الشهير.

والخلاصة أن المشهد لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية واحدة؛ فهناك خسائر وتراجعات، وهناك صمود وانتصارات، وهناك حرب إعلامية وسياسية، وهناك أيضًا تغيرات في موازين القوى، وقد تكون المرحلة التي تبدو للناس تراجعًا مؤقتًا مقدمةً لمرحلة أخرى من الصمود أو التقدم، كما رأينا في السيرة النبوية.

غزوة أُُحد تعلمنا أن الهزيمة لا تعني النهاية، وغزوة مؤتة تعلمنا أن الانسحاب التكتيكي قد يكون حكمةً وحفظًا للجيش، وليس فرارًا، وحنين تعلمنا أن الكثرة لا تكفي، وأن النصر لا يكون بالعدد وحده، وإنما بالتوكل على الله، والأخذ بالأسباب، والثبات، وحسن القيادة.

فلنقرأ التاريخ بعين واعية، ولنقرأ الواقع بعيدًا عن المبالغات الإعلامية، ولنحذر من الفتنة المذهبية التي تفرّق المسلمين، ولنتذكر دائمًا أن العاقبة ليست لمن يرفع صوته أكثر، وإنما لمن يثبت على الحق ويأخذ بأسباب القوة ويستعين بالله.

الجيش اللبناني، والعفو، والمشهد الإسلامي:

يعز علينا ان نرى جنود الجيش اللبناني وضباطه المتقاعدين يقفون أمام القصر الحكومي، ويقطعون الطريق، ويعبّرون عن غضبهم واحتجاجهم بهذه الطريقة. إن هذا المشهد، من حيث النتيجة، قد يؤدي إلى إسقاط صورة الجيش بكل رموزه في نظر المواطن، والسؤال هنا: لماذا تضيقون على هؤلاء؟ لماذا لا يحصل العسكريون المتقاعدون على الزيادات نفسها في المعاشات والرواتب التي يحصل عليها غيرهم؟ ولماذا يُستثنى المتقاعدون من الجيش؟ لقد دُفعوا دفعًا إلى هذا الموقف، وهو موقف لا يليق برجال أمضوا سنوات، بل عقودًا، في الدفاع عن الوطن؛ فمنهم الجريح، ومنهم العاجز، ومنهم من دفع من صحته وحياته ثمنًا لخدمة بلده، ثم كيف تريدون من الجيش أن يستعد للمهمة التاريخية التي تقولون إنها آتية، ولا تفعلون شيئًا من أجل رفع معنوياته وصون كرامة عناصره؟ فالمتقاعد والعسكري الذي لا يزال في الخدمة يشتركان في شيء أساسي: كرامة واحدة وانتماء واحد ومؤسسة واحدة. ولذلك فإن المساس بكرامة المتقاعد ينعكس على معنويات العسكري الموجود في الخدمة، فما الذي يجري؟ وما الذي يُحاك؟ إن الأمر ليس بسيطًا.

أما قانون العفو، لماذا لا نذكره كثيرا؟:

لأننا إذا قلنا إن الذين سيشملهم قانون العفو يستحقون مزيدًا من العقوبة، فقد يكون هذا الكلام صحيحًا من وجهة نظر معينة. وإذا قلنا، من الجهة الأخرى، إن الدولة، بما تمثله من مؤسسات، ليست مؤهلة في الظروف الراهنة لمعاقبة هؤلاء، فقد يكون هذا صحيحًا أيضًا، فلا السجون مؤهلة، ولا الظروف العامة مؤهلة، ونحن نعرف أن الإسلاميين الذين دخلوا السجون في مصر في ثمانينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، خُصّص لهم علماء من أهل العلم، وجرت معهم مناقشات وحوارات استمرت سنوات طويلة، ربما عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، ثم خرج عدد منهم بما عُرف بكتاب “المراجعات”، وأقرّوا فيه بأنهم أخطؤوا في بعض الأفكار والمواقف، فهل يوجد في لبنان شيء من هذا القبيل؟ أبدًا.

إننا أمام مشكلة حقيقية: فالمجرم في السجن قد يزداد إجرامًا، والمتطرف قد يزداد تطرفًا، ومن يحمل فكرًا مذهبيًا أو عنصريًا قد يزداد تعصبًا، فماذا نفعل بالسجون إذن؟ القضية ليست مجرد عفو أو عدم عفو؛ إنها قضية أكبر وأعمق، وتحتاج إلى معالجة حقيقية للأسباب التي أوصلت هؤلاء إلى ما هم عليه، ومن جهة أخرى، هناك مظلومون، وهذه أيضًا قضية لا يمكن تجاهلها. ولذلك تبقى أمامنا علامة استفهام كبيرة، وأظن أن الأمر أوضح من أن نخوض في تفاصيله الآن.