الشفاعة العظمى، هل نحن مسلمون؟

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 1 ربيع الاول 1448هـ الموافق له 14 اب 2026م

الشفاعة العظمى، هل نحن مسلمون؟

‏ ‏إن من أشد ما يؤلمنا في هذه الأيام هذا التشويه الذي لحق بصفة السُنة، حيث أصبح هذا التوصيف ضمن المفردات السياسية اللبنانية، يعني أموراً تتناقض مع ما يعنيه هذا التوصيف، خلال التاريخ أو من خلال الفقه الإسلامي ودلالاته، في المفردات اللبنانية السياسية والاجتماعية أصبح هذا اللفظ يعني العداوة للمقاومة، والدفاع عن “الإرهاب”، وصولا إلى تبني قانون عفو يتساوى فيه العميل مع “الإسلامي” مع تاجر المخدرات، وزاد من هذا التشويه ما قاله رئيس الحكومة أن كلمة وزير الدفاع ستضع الجيش في وجه السُنة، في حين أن رئيس الحكومة لم يكن يوما يحسب نفسه بهذا التوصيف، ولكنه أساء جدا من خلال هذا التعبير للجيش وللسُنة معاً.

ـــــــــــــــــــــــــ

وورد في الخطبة ما يلي:

شهر ربيع الأول، هو شهر مولد المصطفى ﷺ، وفيه تحلو ويزداد ذكره والحديث عن سيرته ومكانته. إنه النبي الخاتم الذي ختم الله به الرسالات، وخصّه بفضائل لم يُعطها نبيًّا قبله، ورفع ذكره في الدنيا والآخرة، فقرن ذكره بذكره سبحانه، فلا تكتمل الشهادة والذكر إلا بقولنا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وسيرفعه الله يوم القيامة إلى المقام المحمود، حيث تكون له الشفاعة العظمى، وقد قال رسول الله ﷺ: “أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي”، ومن خصائصه ﷺ أنه بُعث إلى الناس كافة، بينما كان كل نبي يُبعث إلى قومه، وجُعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُعطي الشفاعة، ونُصر بالرعب مسيرة شهر، وكان بإمكانه، لو شاء الله له ذلك، أن يكون ملكًا نبيًّا، وأن تُسخّر له الدنيا وما فيها، ولكنه اختار ما هو أعظم: أن يكون نبيًّا رحمةً وهدايةً وشفيعًا لأمته، وأن يدخر شفاعته للناس يوم القيامة.

الشفاعة العظمى:

ينبغي أن يبقى حديث الشفاعة العظمى حاضرًا في أذهاننا؛ لأنه من أعظم ما خصّ الله به سيدنا محمدًا ﷺ، يوم القيامة يجتمع الناس جميعًا، من آدم ومن جاء بعده إلى آخر البشر. وتُبعث الأجساد من القبور، ويقف الناس ينتظرون الحساب في يوم عظيم، قال الله تعالى عنه: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]، يشتد الهول، وتدنو الشمس، ويعرق الناس، ويعظم الخوف والانتظار. وفي ذلك الموقف تظهر آثار أعمال الناس ومواقفهم في الدنيا، ومع ذلك، فإن الله يكرم أصنافًا من عباده، ومنهم السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، والشاب الذي نشأ في عبادة الله، والرجل الذي قلبه معلّق بالمساجد، ورجل تصدق فأخفى صدقته، ورجلان تحابّا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، وفي ذلك اليوم يتمنى الناس أن يبدأ الحساب، فيذهبون إلى الأنبياء واحدًا بعد آخر، فيأتون آدم عليه السلام، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام، وكل واحد منهم يعتذر عن الشفاعة في ذلك الموقف، حتى يأتوا إلى سيدنا محمد ﷺ، فيقولون: يا خاتم الأنبياء، يا حبيب الرحمن، اشفع لنا عند الله، فيذهب ﷺ إلى موضع يكرمه الله فيه، فيسجد لله سجودًا طويلًا، ويحمد الله بما يفتح عليه، ثم يقال له: “يا محمد، ارفع رأسك، وسل تُعطَ، واشفع تُشفَّع”،  فيقول: “يا رب، ابدأ الحساب”، فتبدأ محاسبة الخلق بشفاعة محمد ﷺ، وهذه هي الشفاعة العظمى والمقام المحمود، وهي من أعظم ما خص الله به سيدنا محمدًا ﷺ، ويستفيد منها الخلق جميعًا.

ما علاقتنا بالنبي اليوم؟:

هل نحن على سنته كما ندّعي؟ وهل نحن متمسكون بدينه وشريعته وهديه كما ينبغي؟ إن السؤال صعب، والإجابة قد تكون قاسية؛ لأن القرآن الكريم يلفت المؤمن إلى ضرورة مراجعة نفسه، والثبات على حقيقة الإسلام لا على مجرد الاسم والانتساب.

ولهذا كان الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يسأل النبي ﷺ عن الشر كما يسأل الناس عن الخير، خوفًا من أن يدركه الشر أو يقع فيه.

وقد سأله عن الفتن التي تأتي بعد الخير، فقال له النبي ﷺ إن بعد الخير شرًّا، ثم يأتي خير فيه دخن، ثم تأتي فتن ودعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.

وسأل حذيفة: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ فقال له النبي ﷺ: “عليك بجماعة المسلمين وإمامهم”، فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام، فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت على ذلك.

الخير الذي يخالطه الدخن:

هذا الحديث يرسم لنا صورة واضحة لطبيعة التاريخ الإسلامي؛ فقد يأتي الخير، ثم تأتي فترات يختلط فيها الخير بالشر، فيكون في الحكم والواقع أعمال صالحة وأخرى سيئة.

ولهذا قال النبي ﷺ عن ذلك الخير الذي يأتي بعد الشر: “فيه دخن”، أي ليس خيرًا خالصًا، بل يخالطه ما ليس منه، ومن هنا ينبغي أن نكون قادرين على التمييز: نعرف الخير فنتمسك به، ونعرف الخطأ فننكره، ولا نجعل وجود الشر سببًا لإنكار الخير، ولا وجود الخير سببًا لتبرير الشر.

أما المرحلة الأخطر فهي ظهور الدعاة إلى أبواب جهنم، الذين يتكلمون بألسنتنا ومن أبناء جلدتنا، ويقدّمون للناس أفكارًا منحرفة على أنها هي الإسلام، وهنا تظهر خطورة الخوارج وكل من سار على نهج التكفير واستباحة دماء المسلمين. فقد حذّر النبي ﷺ من هذه الفتنة، وهي فتنة تتجدد بأشكال مختلفة عبر التاريخ، لقد أسهمت جماعات العنف والتكفير والقتل على الهوية المذهبية في تشويه صورة الإسلام، حتى أصبح بعض الناس يربط الإسلام بالإرهاب والتفجيرات والقتل، وهذا ظلم للإسلام وتشويه لحقيقته.

الثبات وعدم تغيير المبادئ:

الموقف الصحيح أمام الفتن ليس أن نغيّر ديننا أو نحرّف النصوص أو نفسّر أحاديث النبي ﷺ بما يرضي هذه الجهة أو تلك، علينا أن نتمسك بما عرفناه من كتاب الله وسنة رسوله، وأن نحافظ على وضوح الإسلام وهديه، وألا نغيّر قناعاتنا لمجرد كسب رضا أحد.

فالحقيقة لا تصبح باطلًا لأن بعض الناس رفضوها، والباطل لا يصبح حقًا لأن جماعة من الناس تبنّته، وقد تركنا رسول الله ﷺ على طريق واضح، ليله كنهاره، لا يزيغ عنه إلا هالك، ومن هنا، فإن الثبات على الإسلام الصحيح يحتاج إلى صبر وإيمان، خصوصًا في زمن تختلط فيه المفاهيم، وتتشوه فيه الحقائق، ويصبح التمسك بالمبادئ أصعب من أي وقت مضى.

وفي واقعنا اليوم، نرى ما يجري في غزة، ونرى المقاومة في لبنان، ونرى مواجهة الطغيان والهيمنة، ونرى كيف تتشابك المواقف السياسية والدينية، وكيف يُطلب من الناس أحيانًا أن يتخلوا عن قناعاتهم حتى يرضى عنهم الآخرون، لكن المؤمن لا يبيع مبادئه من أجل شعبية أو مكاسب أو أصوات أو رضا جهة من الجهات.

يبقى الأمل بالله تعالى، والثقة بأن المشهد مهما طال لا بد أن يتغير، وأن الله سبحانه لا يضيع الحق وأهله.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 14-8-2026:

https://www.facebook.com/reel/2462172367617740